فى الدفاع عن المحامين

0
25
نبيل أديب عبدالله

تكبير الخط

محرر الموقع :

” لا يجوز لأي قاضي أو وكيل نيابة أو ضابط شرطة أو شرطي أن يطرد من قاعة المحكمة أو مكتب وكالة النيابة أو مكتب الشرطة أو يأمر بطرد أي محام يباشر إجراءات قانونية أمام محكمة أو وكالة نيابة أو قسم شرطة “الفقرة 5 المادة 46 من قانون المحاماة .
كثرت في الآونة الأخيرة الإحتكاكات بين المحامين من جهة، والقضاة من جهة أخرى، وكذلك بين المحامين والشرطة، وهي إحتكاكات من شأنها عرقلة تحقيق العدالة مما يلقي على عاتق جميع العاملين في الحقل القانوني، واجب تداركها.
يشكو المحامون من عدد من الحوادث التي وقعت مؤخراً منها أن قاضيين في حادثتين مختلفتين أمرا بحبس محاميين وطرداهما من الجلسة، رغم وضوح أحكام المادة 46 من قانون المحاماة التي لا تسمح بذلك. كما طرد قاض آخر محامي فلما لم يستجب، أمر الشرطة بإخراجه من القاعة بالقوة حيث تم ضربه امام القاضي مما أدى لكسر يده.
نتيجة لهذه الأحداث المتلاحقة فقد تكونت مجموعة كبيرة من المحامين تحت إسم ” محامون من أجل كرامة المهنة” كجماعة ضغط لحفظ كرامة المهنة، وقد نجحت في عقد منتدى محضور ناقشت فيه هذا التوتر وما زال عملها يتواصل في إطار أهدافها.

دور المحامي في تحقيق العدالة

المحامي يمثل أحد أطراف الخصومة في الدعاوي المدنية، كما يمثل في الأغلب المتهم، وأحياناً المدعي بالحق الخاص في الخصومة الجنائية، وهو دور تزايد بعد الأخذ ببعض أحكام الشريعة الإسلامية في القانون الجنائي، ومنح المحكمة الجنائية إختصاصاً مدنياً في قانون الإجراءات الجنائية.
في كل الأحوال فإن تمثيل المحامي للموكل سواء أكان ذلك في نزاع مدني، أو جنائي، تحكمه أحكام دقيقة قانونية وأخلاقية، بإعتبار أن المحامي هو في حقيقة الامر أحد ضباط المحكمة، وواجبه الأساسي هو معاونتها في تحقيق العدالة. والمحامي يفعل ذلك بشكل أساسي بأن يضع دعوى موكله في القالب القانوني المقبول الذي يسهل مهمة القاضي في الفصل في الخصومة.
تمثيل المحامي يشمل الحصول من الموكل على كل المعلومات المتعلقة بالنزاع، والتحقق من البينات التي يعتمد عليها موكله لإثبات ما يدعي، والتأكد من مقبوليتها، وما إذا كان هنالك ما يدحضها أو يحول دون التعويل عليها، كوجود إتفاق لاحق، أو نشوء حق لطرف ثالث يعارض حق موكله. بعد مراجعة الأحكام القانونية المتعلقة بكل ذلك يقدم المحامي النصح للموكل، فإذا رأى أن الوقائع التي يستند عليها الموكل تمنحه حقا في القانون، وأن إثباتها بالمستوى المتطلب قانوناً ميسراً، أوضح للموكل السبيل الأمثل في نظره لإستخلاص حقه، فإذا وافقه الموكل، قام بحصر البينات وترتيبها بالشكل الذي يسمح بتقديمها للمحكمة.
ومن الناحية الأخري فإنه إذا راي أن تلك الوقائع لا تمنح موكله الحق الذي يطالب به ولكنها تمنحه حقاً اَخر فعليه أن ينصح موكله بذلك فاذا قبل الموكل نصح المحامي أياً كان تولى تمثيله لتقديم دعواه بالشكل الأمثل لتحقيق النتيجة القانونية التي يري المحامي أن البينات المتوفرة ترجح تحقيقها، والا إعتذر له عن الوكالة .
رغم إلتزام المحامي بالعمل وفق رغبات الموكل بالنسبة للهدف النهائي من تمثيله له، إلا أن ذلك لا يجب أن يمتد الي مساعدة الموكل في إنتهاج سبيل يعلم المحامي إنه يشكل جريمة أو غش.
وخلال تمثيل المحامي للموكل فإنه لا يجوز له رفع دعوى أو تقديم دفاع أو حتي تأجيل جلسة إذا كان يعلم أن ذلك الإجراء لا يهدف إلا لمضايقة الخصم أو الاضرار بمصالحه المشروعة. كذلك فإنه لا يجوز أن يقدم دعوى أو دفاع عن دعوى قائمة يعلم أنه غير مقبول وفقا للقانون ما لم يكن المحامي يهدف من ذلك المنازعة في صحة القانون من حيث مواءمته للدستور.
أو حين ينازع في طريقة تفسيره أو تطبيقه في المحاكم فكما يقول ابراهام لنكولن ” قد يكون القانون مناسب ومتفق مع الدستور ومع ذلك فإنه يطبق بشكل غير منصف”.
في كل هذا فإن المحامي يساعد العدالة حين يعمل كمصفاة تقصر اللجوء للمحاكم على المطالبات المؤسسة تأسيساً صحيحاً وتنقي الدعاوى الموكل، فيستبعد منها الوقائع والبينات التي لا تخدم دعوى الموكل، إما لأن القانون لا يرتب عليها أثر، أو لعدم توفر البينات لأصابتها أو لأن البينة المتوفرة غير مقبولة قانوناً.
ثم يقدم صياغة واضحة لدعوى الموكل أو دفوعه، و كل ذلك من شانه أن يسهم في توضيح النزاع أمام القاضي، ويساعده علي التوصل للحكم الصحيح في الدعوى. بالإضافة للدور الهام الذل يلعبه المحامي في منع الدعاوي الكيدية وسوء إستغلال الإجراءات.

لعنة الأتعاب

عقب صدور حكم لصالحها قالت الموكلة للمحامي ” سيدي لا أدري كيف أشكرك ” أجابها المحامي ” سيدتي منذ أن إخترع الفينيقيون العملة لم تعد هذه مشكلة “
لا شك أن هنالك جو من الإسترابة في عمل المحامي أساسها أن المحاماة هي عمل يهدف لتحقيق عائد مادي، وهذا ما يجعل البعض يستريبون في الدوافع من وراء المجادلات التي يقدمها المحامي.
وهو أمر كثيراً ما يتم التعبير عنه بواسطة العوام، ويظهر في الطرائف التي يحكونها عن المحامين. ولكن الأمر يأخذ منحاً أكثر خطورة، و بشكل قد يؤثر سلباً على إدارة العدالة، حين يتسلل هذا المفهوم الفج الي ذهن حديثي العهد بالعمل في الحقل القانوني من قضاة ووكلاء نيابة، ورجال شرطة، فيحرمهم من الإستفادة مما يقدمه لهم المحامي من مجادلات، حين يغمضون عنها عيونهم لأنهم لا يرون فيها إلا وسيلة للحصول علي المال. حسنا، كمحام قديم دعني اقول لكم نحن نحب الأتعاب، ونتقاضاها، ونطالب بها.
ولكن ما نحبه هو أن نحصل على أتعابنا المهنية بكل الإشتراطات المتصلة بإستحقاقها، وليس مبلغ المال المكون لها. الأتعاب المهنية هي مبلغ من المال يتم تقاضيه لقاء خدمة ينفرد بتقديمها أعضاء مهنة معينة. وما يفرق المهنة من الأعمال الأخري هي أن أعضاء المهنة تتوافر لديهم خبرة تُكتسب بالدراسة والتدريب، وتحكمهم في ممارستهم لمهنتهم شروط قانونية وأخلاقية محكمة.
وتقاضي أجر مقابل تقديم الخدمة المهنية لا عيب فيه طالما أن الخدمة نفسها تم تقديمها بالتقيد بأصول تلك المهنة، وهذا يعني أن الأتعاب المهنية التي يتقاضاها المحامون يقوم إستحقاقها علي تقديم الخدمة بما يحيطها من قواعد وقوانين، فإذا إفتقدت ذلك الأساس فإنها لا تكون مستحقة.
الأصل أنه لا توجد مهنة بدون أجر، فالأجر هو الذي يوفر لممتهن المهنة القدرة على التفرغ لممارستها، وهذا التفرغ بدوره يجعله أكثر قدرة على تقديم الخدمة. والمحاماة نفسها لم يتم الإعتراف بها وتنظيمها كمهنة إلا في روما علي يد الامبراطور كلوديوس، حين سمح للمحامين بتقاضي الاَتعاب.
وقد قاد ذلك لتنظيم المحاماة ووضع قواعد لممارستها، بعد أن كانت في اَثينا مجرد هواية يستخدم فيها الخطباء مهارتهم في الخطابة في مساعدة أصدقائهم، ولهذا لم يكن مسموحاً للخطباء بتقاضي أتعاب، وبالتالي فلم تكن هنالك قواعد تحكم مزاولتهم لعملهم.
إستحقاق المحامي للأتعاب يجعله مسؤولاً أمام موكله بإتباع قواعد وأخلاق المهنة في تمثيله له، وبالتالي فإن خروج المحامي عن تلك القواعد، هو إخلال بعقده مع موكله، فذلك العقد يتضمن تلك الشروط بحكم القانون. ويترتب على ذلك وجود تبعة مالية على المحامي تجاه موكله متى فشل في إتباع قواعد وأخلاق المهنة في تمثيله له، تتضمن رد الأَتعاب بخلاف التعويض عن ضرر أي يكون قد تسبب فيه ذلك الإخلال.

المحامي يدافع عن متهمين يعرف أنهم قد إرتكبوا الجريمة

من المفاهيم التي ساهمت في تكوين ذهنية الإسترابة في المحامي الشائعة وسط العامة، والتي تتسلل أحيانا الي ذهن العاملين بالحقل القانوني من غير المحامين، الفهم بان المحامي لا تهمه سوى أتعابه بدليل أنه يدافع عن متهمين رغم أنه يعرف أنهم قد إرتكبوا الفعل الذي تم إتهامهم بإرتكابه.
وهذا إستدلال فاسد لأنه يتجاهل عاملين أساسيين: الأول هو أن المحامي لا ينحصر دوره في إنكار إرتكاب الفعل المكون للجريمة، بل قد يقوم دفاعه عن موكله على الإعتراف بذلك مع تقديم أسباب معفية من العقاب أو مخففة له، كأن يقوم الدفاع علي أن المتهم رغم أنه إرتكب الفعل الذي تسبب في وفاة المجني عليه، إلا أنه فعل ذلك دفاعا عن النفس. أو أنه فعله وهو في حالة إستفزاز شديد وطارئ مما يستوجب تخفيف العقاب عليه. العامل الثاني و الأهم ،الذي يغفل عنه أصحاب هذا المفهوم، هو الفرق في القانون بين إرتكاب الجريمة كحقيقة مادية، وبين إرتكاب الجريمة كحقيقة قانونية. إرتكاب الجريمة كحقيقة مادية لا يُعنى بها القانون، ولا تدخل في عمل القاضي، ولا في عمل وكيل النيابة، وبالتالي فإنها بالضرورة لا أثر لها على عمل المحامي المهني حتى تمنع تمثيله للمتهم.
ما تختص المحاكم بنظره والعقاب عليه هو إرتكاب الجريمة كحقيقة قانونية، وهو ما ينصب عليه عمل المحامي من الناحية المهنية .

الحقيقة المادية والحقيقة القانونية

المحامي كالقاضي لا يحكم بعلمه الشخصي. إذا رأى القاضي اثناء سيره في الطريق شخص يطلق النار علي أَخر فيرديه قتيلا، فإن تلك الواقعة تدخل في علم القاضي الشخصي، ولكنها لا تدخل في علمه القانوني. كل ما تفعله تلك الواقعة هي أن تحوله بالنسبة لها، من قاض الي شاهد، بحيث يمتنع عليه أن يجلس كقاضي في محاكمة من رآه يرتكب الفعل، ولكن يتوجب عليه أن يحضر كشاهد عادي في تلك المحكمة للإدلاء بشهادته. وشهادة القاضي في هذه الحالة تخضع لتقييم القاضي الذي ينظر الدعوى من حيث الوزن والقيمة والمقبولية. وحتى حين تأتي المعلومات للقاضي في إطار عمله كقاضي، ولكن خارج إجراءات المحكمة، فإنها تظل خارج علمه القضائي. والحالة الأظهر في هذا الخصوص هي حالة تسجيل الإعتراف القضائي، عندما يمثل أمامه متهما ليسجل إعترافا بإرتكابه فعلا في أثناء التحري في جريمة معينة، فإن علي القاضي أن يسجل ما يقوله له المتهم بعد أن يتأكد من أنه يدلي بأقواله بإرادته الحرة ،ولكن ذلك لا يؤهله لأن يحكم عليه بما سمع، بل يصبح ذلك الإعتراف، جزء من البينة التي تقدم في محاكمة المتهم التي ينظرها ويقيمها قاضي آخر.
ربما هذا ما دفع أحد الشهود للإعتراض قائلا ” سيدي القاضي لقد أمرتني أن أقسم بأن أقول الحق، كل الحق، ولا شئ غير الحق. ولكن كلما أحاول أن أفعل ذلك يعترض أحد المحامين علي ما أقول” وهذا يعكس جانب اَخر من المسألة فمعيار قبول ما يدلي به الشاهد ليس صحته بل مقبوليته في القانون، والمقبولية تخضع لمعايير مختلفة، منها الوسيلة التي حصل بها الشاهد على المعلومة التي سيدلي بها.
ويكفي هنا أن نقول أنه هنالك كثير من القواعد تمنع سماع شهادة شاهد، أو جزئية من تلك الشهادة، يقوم المحامي عادة بالمطالبة بتطبيقها لصالح موكله.

علم المحامي بما فعله موكله يخرج عن نطاق عمله

إن إرتكاب الجريمة كحقيقة قانونية هو توافر بينات مقبولة قانونا، تكوِّن عقيدة لدى القاضي الذي ينظر المحاكمة المتعلقة بها، بأن المتهم قد إرتكب الفعل الذي تم اتهامه بإرتكابه. وهذه العقيدة يكونها القاضي فعلا بناء علي ماتم تقديمه في المحاكمة من بينات مقبولة قانوناً، والتي أثبتت أمامه بشكل لا يدع مجالا لشك معقول أن المتهم قد إرتكب الفعل.
هذا هو السبيل الوحيد الذي يطرقه القاضي لكي يكوِّن عقيدته، وبالتالي فكون أن المتهم قد إرتكب الفعل في واقع الاَمر، تظل مسألة لا تهم القاضي البتة طالما أن الإتهام لم يُثبت ذلك بالبينة المقبولة قانونًا، وبالمستوي المتطلب قانوناً لإثبات التهمة. لذلك فإن المتهم من حقه أن يُبرأ حتي ولو كان قد إرتكب الفعل موضوع الإتهام، طالما ان البينات المتوافرة ضده لا تجيز إصدار حكم بإدانته.
وهذا نابع من المبدأ الدستوري القائم على إفتراض البراءة، والذي يقول أن المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته بما لا يدع مجالاً لشك معقول. المتهم الذي إرتكب الفعل موضوع الإتهام يعترف له القانون بالحق في أن يدافع عن نفسه، وبالحق أيضاً في الإستعانة بمحامي. اذاً فهنالك دورا كبير للمحامي في المحاكمة الجنائية سواء كان المتهم قد إرتكب الفعل أم لم يرتكبه، فإن عليه حماية مصالح موكله التي يعترف بها القانون في إجراءات المحاكمة. دور المحامي هو أن يضمن أن الإجراءات تسير بشكل يسمح لموكله بالإستفادة من إفتراض البراءة الذي يفترضه القانون في حقه. وحقه الدستوري في أن يجبر على تقديم بينة ضد نفسه. وحقه في أن لا تقبل في مواجهته بينة لا يسمح القانون بقبولها. وحقه في محاكمة عادلة وناجزة. وحقه في إتاحة الفرصة له في الإستعانة بمحامي وما يتبع ذلك من إتاحة الفرصة لمحاميه لتحضير دفاعه. اذاً فعلم المحامي بإن موكله قد إرتكب الجرم لا يتعارض مع دفاعه عنه بعد ذلك لإثبات براءته من الإتهام، لأن الموضوعين مختلفين، فدفاع المحامي لا صلة له بعلمه الشخصي بذلك، بل يتصل فقط بالبينات المقدمة في المحاكمة، وأثرها القانوني علي إفتراض البراءة المقرر لصالح المتهم. هذا إختيار قانوني فرضه القانون على الجميع وليس المحامي فحسب، وهو أن لا تتم إدانة أي شخص بإرتكاب أي فعل ما لم يثبت ذلك أمام محكمة مختصة، بما لا يدع مجالاً لشك معقول. وعلى كل من الإتهام والدفاع مساعدة القاضي في أن يحقق ذلك.

واجب المحامي بالنسبة لأداء الشهادة
قد يقول قائل ولكن لماذا حوّل العلم بالواقعة المادية القاضي إلى شاهد، ولم يفعل ذلك مع المحامي. الإجابة على ذلك هي أن العلم بالواقعة المادية ذات الصلة يحوِّل أيضاً المحامي إلى شاهد، ما لم يكن ممنوعاً من أداء الشهادة. تنص المادة 32 من قانون المحاماة على أنه (1)لا يجوز للمحامى افشاء الأسرار التى يقف عليها من موكله أو ما يكون قد وصل اليه عن طريق مهنته من وقائع أو معلومات ولو بعد انتهاء وكالته أو زوال صفته ما لم يكن ذكرها له قد تم بقصد ارتكاب جريمة. (2) لا يجوز تكليف المحامى بأداء الشهادة فى نزاع وكل أو أستشير فيه الا اذا اذن له الموكل كتابة بذلك.
ولنستعرض معاً دعوى حكومة السودان ضد محمد الحسن هاشم. كان المتهم الثانى فى تلك الدعوى قد ذهب للأستاذ عابدين إسماعيل، أحد أساطين القانون فى بلادنا، لأخذ مشورة قانونية، و ذكر له أن المتهم الرابع وهو زوج شقيقته قد أمنه على مبلغ كبير من المال ( ستة عشرة الف جنيه وهو مبلغ فى قوته الشرائية آنذاك يناهز مبلغ مليونين من الجنيهات بعملتنا الحالية ) وأنه موقن بأن ذلك المبلغ مسروق، ولكنه يطلب مشورة حول كيف يمكنه أن يحتفظ بذلك المال لصالح شقيقته وأبنائها. طلب منه الأستاذ عابدين أن يبلغ الأمر للشرطة، لأنه رأى أن المتهم مقدم على إرتكاب جريمة التصرف فى مال مسروق، وأن سكوته يجعله شريكاً بالمساعدة فى الجريمة. عندما علم عابدين بأن المتهم سيمضى فى مشروعه الإجرامي إتصل بالشرطة وأبلغها بالأمر.
إستدعى الإتهام عابدين لأداء الشهادة أثناء التحقيق القضائى، وهو إجراء لم يعد قائما الآن، إعترض محامى المتهم، بدعوى أن المعلومات التى سيكشف عنها الاستاذ عابدين محمية Privileged، لأنها معلومات نقلت إليه بصفته المهنية.
رفضت المحكمة الطلب برفض سماع شهادة مولانا عابدين. أيد مولانا صلاح حسن قاضى المديرية آنذاك الأمر، وإستند فى قراره لقول الفقيه الهندى راتنلال فى هذا الصدد، بأنه لا يوجد إلتزام خاص يعلو على الإلتزام العام الواقع على عاتق جميع أعضاء المجتمع، بالكشف عن أى خطة مخالفة للقانون، لإرتكاب فعل ضد المجتمع. كما إستند لسوابق إنجليزية منها سابقة R V.COX AND RAILTON ،والتى جاء فيها أن “المحادثة التى يجريها الموكل مع المحامى قبل إرتكاب الجريمة، بغرض الحصول على مشورة لإرتكاب الجريمة، هى محادثة غير محمية ولا يلتزم المحامى بالتقيد بسريتها “
ولكن الأمر النهائي والذى أصدره مولانا مجذوب على حسيب، قضى بمنع سماع الشهادة.
وافق مولانا حسيب، على أن الحماية لا تشمل المحادثة السابقة لإرتكاب الجريمة، والتى تهدف لأخذ النصح للمساعدة فى إرتكابها.
ولكنه رأى أنه طالما أن المتهم مواجها بتهمة إستلام المال المسروق، فإنه لا يخالف القانون إذا تصرف فى المال الذي إستلمه ، لأن الشخص الذى يرتكب جريمة إستلام المال المسروق يعاقب على إرتكابها هى فحسب، ولكنه لا يعاقب على التصرف فى المال المسروق بعد ذلك. وبالتالى فإن المتهم كان يطلب نصحاً حول جريمة إرتكبت بالفعل، للمساعدة فى إعداد دفاعه عن نفسه، وليس للإعداد لإرتكاب جريمة فى المستقبل. وهو طلب حقيقي للمعونة المهنية للمحامى، لا يوقع تقديمها المحامى تحت طائلة القانون.

نبيل أديب عبدالله
المحامي

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here