مُعضلة الإنابة القانونية فى تقدير أصحاب الوجاهات

0
240
أشرف اسماعيل
أشرف اسماعيل

تكبير الخط

ان مفهوم النيابة عن الدولة هو محض تمثيل قانونى لشخص اعتبارى بموجب بطاقة تمثيل لهذه النيابة  غير قابلة للالغاء أو التنحية ومن ثم تتطلب هذه النيابة قدرا كبيرا من الاستقلال  لجسامة الدور الملقى على  عاتق نائب الدولة كممثل لها أمام الأفراد والجهات الدولية المختلفة بما أُفتُرض فيه عند توليه منصب النيابة عنها من كفاءة وشفافية وخبرة قانونية وقسمُُ قام بأدائه  قبل توليه هذا المنصب ومن ثم كان تحقيق الاستقلال له فى عمله حتى لايكون عُرضة للتنكيل به  من خصوم العمل  الاجرائى او القضائى  المنوط به – سواء بادارات الدولة أو المواطنين أو الجهات الدولية- أمرا ضروريّا وحتميا  وحتى لا يدفع من شخصه ثمن نيابته عن هذا  الكيان  المعنوى وهو الدولة .. هذا هو مفهوم النيابة البسيط .. فماذا عن مفهوم الوكالة :

الوكالة هى علاقة تمثيل قانونية كذلك لكنها  ليست كالنيابة  اذ يفترض تحقيقها تمثيلا قانونيا للأفراد والشركات والجهات الخاصة غير الاعتبارية  تخضع اعتبارات الوكالة فيها لادارة  مُصدر الوكالة والقائم بها  وهو المحامى الحر .. ويكون هذا الأخير  كوكيل عن الأول يُمثّله  ويكون رهن ارادته ان شاء  فضّ هذه الوكالة عنه بالغائها وان شاء  هو شخصيّا تنصّل منها  باخطار موكله برغبته فى التنصل من وكالته بينما فى النيابة عن الدولة فغير مقبول هذا  اذ لايمكن للنائب التنصل عن نيابة الدولة فى قضية من القضايا أو عمل من الأعمال الاجرائية

الوكيل ليس كالنائب فهو خاضع لتعليمات موكله حتى ولو لم يكن له دراية قانونية فيمكنه توجيهه لتسيير الخصومة بطريقة وأخرى حسبما  يريد وتتغلب مصلحته فى الوكالة سواء بطريقة مباشرة ان كان الموكل  فردا من أحاد الناس أو بطريقة غير مباشرة بأدوات الارهاب والتنكيل للموكل ان كان تحت رئاسته وهذا الأمر قد يكون مقبولا فى الشركات والجهات الخاصة لكون صاحبها ومالكها يتحمل مردود قراراته  وتدخلاته قى مسائل فنيّة قد تودى لخسارة بشركته أو جهته الخاصة لكنه لايكون  مُبرّرا  ولا مقبولا لو كانت الجهة هى الدولة وكافة مؤسساتها من هيئات عامة وشركات قطاع الأعمال  اذ سيترتب على هذا خسائر فادحة لهذه الشركات وهذه  الهيئات وهذا هو  عين القصيد  ومُفتتح المقال :

فبنظرة متعمقة  فيما ذكرته سلفا  نرى انه غير مقبول  بالمرة  ان تكون العلاقة  بين الدولة ومؤسساتها  وهيئاتها  وحتى شركات الأعمال ذاتها  علاقة وكالة  كعلاقة  المحامى  الحر بأحاد الناس  بما يحوطها من مخاطر جسيمة لكنها لابد  وأن تكون علاقة نيابة  وهذا هو  ما فطن له المشرع نصف الموهوب ..وسنرى كيف ..؟

لقد أقرّ المشرع بعلاقة النيابة تلك للتمثيل القانونى عن الدولة بأن أنشأ هيئة قضايا الدولة  كجهة قانونية معنيّة بتمثيل الدولة القانونى  فى المنازعات والعلاقات القانونية مع الأفراد والجهات  الخارجية وقد أفرد لتنظيمها قانون خاص بها تحقيقاً لاستقلالها وتحقيقاً لمبتغيات الصالح العام ومصالح الدولة العليا والحفاظ على ثرواتها وأموالها ولكن لكونه نصف موهوب فقد ترك  الهيئات والمؤسسات العامة وشركات قطاع الأعمال لنظام  الوكالة القانونية كالعلاقة بين المحامى الحر وأحاد الناس بكل مخاطرها المشار اليها بصدر المقال وكأن هذه الجهات ليست جزءاً من  جسد الدولة ولا مالها جزءاً من  المال العام كذلك فترك  الأخيرة للنهب والاهدار دون رقابة فاعلة ولامكنة سيطرة ولامراقبة لكون الوكيل ليس نائبا ومن ثم تحكمه قواعد الوكالة بلا حماية ولااستقلال فصار  بيد رؤسائه لايقدر على معارضتهم رغم  افتقارهم للثقافة  والمعرفة القانونية وصاروا يُنكّلون بالشرفاء من رجال القانون ذوى الوكالة عنهم اذا ماخالفوهم الرأى والرؤى بلا استقلال لأعمالهم وأرائهم  وفتاويهم وباتت علاقته  بمال الدولة ومصالحها العليا وموازنات الهيئات والشركات والتى تصل لمليارات الجنيهات بما يتطلب حمايتها والحفاظ عليها استبدال هذه الوكالة  المشكوك دائما فى  غايتها بالنيابة  المستقلة المُحققة للحفاظ على المال العام ومراقبته ..  وكذا استبدال ورقة الوكالة القانونية المرهونة بارادة الأشخاص أيّا كان مواقعهم ببطاقة النيابة  والتى مصدرها هو يمين القسم  للوطن والدولة .. هذا هو الأولى تحقيقا ان كنّا حقاً قاصدين  نهج صحيح  فى تغيير مسار الوطن نحو المستقبل ومحاربة الفساد والفاسدين .. وهل يقبل العقل أن يكون مصدر شرعية من يُمثل الدولة بكافة مؤسساتها وهيئاتها وشركات قطاع الأعمال فيها (القسم واليمين ) أم ورقة قانونية هى عقد وكالة مشبوه مقصده ومشكوك فى غايته وقابلا للالغاء والتنحى عنه .. ولو اتفقنا على صحة هذا وضرورته فما هو  المُبرر لدى المشرع نصف الموهوب والذى  تفتّق ذكاؤه الحاد الى تأسيسه بشرعيّة للفساد والفاسدين بمنطق عدم الوطنية والشفافية فى أن يفرق بين من يمثلون الدولة قانونا.. فيُبارك  للبعض منهم  بشرعية القسم كسند للتمثيل بينما للأخرين فيتركهم لمخاطر الوكالة مشبوهة القصد والغرض ..

وماذا تظنون بمقصد المشرع نصف الموهوب من هذا العمل الأعور غير الشريف .. أليس  دليلا مؤكدا على  عمده حماية الفاسدين  بقطاعات محدودة من الدولة ذات الموازنات من المال العام وذات  المصالح الوطنية  والقومية كذلك .. أعتقد أنه قد نجح بالفعل هذا المشرع نصف الموهوب فى غرضه هذا .. فمارأينا خسارة شركات القطاع العام  التى كالنت رائدة عند نشأتها  الا بسبب هذا  المسلك المعيب  تشريعيّا وما وجدنا هذا التسرب للمال العام  عبر قنوات غير شرعيّة  الا بهذا المسلك التشريعى المعيب حيث كان حماة المال العام أصحاب  وكالة مرهونة بارادة الموكلين من رؤساء مجالس الادارة وشركات  قطاع الأعمال سواء بالمباشر بالتدخل فى الأعمال القانونية أو بغير المباشر بالتنكيل  والضغط  والترهيب للقائمين  بهذه الوكالة ..

ان الفساد كان مصدره عبقرية المشرع غير الموهوب أن فرّق بين ممثلى الدولة  القانونيين  بأن جعل البعض منهم مستقلين بموجب بطاقة نيابة وهم أعضاء هيئة قضايا الدولة بينما الهيئات والمؤسسات العامة وشركات قطاع الأعمال  فقد جعل عملهم القانون  مرهوناً بارادة مُصدرى الوكالة من رؤساء مجالس ادارة هذه الجهات  وهم  بشر غير  مُنزّهين  من  سوء القصد والهوى بما ترتب عليه فى الواقع من خراب فى اقتصاد البلاد وفساد وافساد واضحين للعامة والخاصة وكان هذا هو السبب المباشر لهذا  الكم الهائل من الفساد الحادث بالدولة والذى تكشّف فى أعقاب ثورة التحرير  دليلاً على عبقرية المشرع نصف الموهوب ..

كيف نُفردُ تنظيماً قانونياً للبعض بما يحقق استقلالهم كهيئة قضائية كممثلين قانونيين عن الدولة  كنوّاب لها  وبموجب القانون رقم 57 لسنة 1963 فيما نترك البعض الأخر  رغم قيامهم بذات الأعمال  بل بما قد يجاوزها أحياناً وبذات المخاطر  المخشى وقوعها  لنجعلهم خاضعين لتشريعين يحصدان مضارهما معاً  ولا يغنمون أيأً من  من مكاسبهما والخاسر الواضح هو الدولة بالأساس ..

ان الممثل القانونى للهيئات والمؤسسات  العامة  وشركات قطاع الأعمال هم محامون وبموجب وكالة قانونية من رؤساء مجالس الادارة  ورغم افتراض استقلالهم الغير الحادث على أرض الواقع  الا أنهم يخضعون لمنظومة عجيبة محل سخرية من قانونيى  العالم  أجمع وسأبين لك قارئى كيف .. ؟

يتم تعيين المحامى بهذه الجهات بموجب قانونين  الأول هو قانون التوظف العام رقم 47لسنة1978 والأخر هو القانون 47لسنة1973 والخاص بالادارات القانونية ومن ثم فان هذه الفئة من ممثلى الدولة  وحماة المال العام  تخضع الى هذين القانونين بالاضافة لقانون المحاماة العام وسأريك قارئى المفارقات العجيبة  ومدى الامتهان لتلك الفئة من حماة المال العام :تنص المادة رقم  (2) من قانون المحاماة  17  لسنة  1983 على أنه : يعد محامياً من يقيد بجداول المحامين التى ينظمها هذا القانون ، وفيما عدا المحامين بإدارة قضايا الحكومة، يحظر استخدام لقب المحامى على غير هؤلاء.

وهذه المادة تقرر بوضوح وبلا اجتهاد مع وضوح النص بأنه يحظر  استخدام  لقب محامى  لغير المحامى الحر  ومحاميى هيئة قضايا الدولة بمايعنى أن المحامى اما أن يكون حرا  بالوكالة أو  عضوا بهيئة قضايا الدولة بالنيابة عن الدولة  ومن ثم فوضع محاميى الادارات القانونية هو جد شىء نشاز وغير قانونى .. 

تعالوا لنرى دور ممثل الدولة بالنيابة :

فقد نصت المادة (3) من قانون هيئة قضايا الدولة 57لسنة 1963على أن (  أعضاء هيئة قضايا الدولة تابعون لرؤسائهم بترتيب درجاتهم ثم لوزير العدل )    

وتعالى لنرى دور ممثل الدولة بالوكالة عن كبار موظفيها وهم محامو الادارات القانونية :

فقد نصت المادة (1) من قانون الادارات القانونية 47لسنة1973على أنه (الادارات القانونية فى المؤسسات والهيئات العامة والوحدات الاقتصادية أجهزة معاونة للجهات المنشاة فيها)

أرأيتم هذه  الهتيكة الفاضحة.. اذ كيف للممثل القانونى عن الدولة أن يكون معاونا لأشخاص مهما  علت درجاتهم الوظيفية من غير القانونيين وكان الأولى أن يكونوا نُوّاباً لمن هى  ذات  قدر أعلى من الجميع ألا وهى الدولة و الوطن  .. وماذا سيترتب على هذه  المعاونة…  أليس الفساد والافساد  لكون رؤسائهم مُصدرى الوكالة غير قانونيين بالأساس كما ومنهم غير منزّهين عن  الهوى وسوء القصد .. وأكبر دليل هو هذا الكم من الفساد بالاستيلاء  وبالاهدار للمال العام .. وهذا ماغنمناه من المعاونة  بالوكالة وليس التمثيل بالنيابة عن الدولة ..

تخيلوا أن هذا  المسلك القانونى السقيم  والمشبوه قد جعل من المحامى ممثل الدولة  كوكيل عن كبار موظفيها مرهون  تعيينه وترقيته  واستحقاقه المالى  وكذلك التنكيل به  فى ذات الأمور بيد الجهة صاحبة الوكالة والتى طالبه القانون بمعاونتها  بسياسة العصا والجزرة  اليهودية المنشأ  .. وقد ترتب على هذا  أن هياكل الادارات القانونية لاتحترم  اقدميّات  الخبرة  بالقيد النقابى بل أولويّات الثقة والمصلحة فى غيبة من  احترام القانون نفسه .. فقد رأينا الادارات القانونية  يعتلى المناصب  القيادية فيها  وهى  التى تقوم بأعمال قانونية صرفة  تتطلب الخبرة القانونية وقد  افترضها القانون 47لسنة1973 فى مادته رقم (13) تحديداً  النظر اليها عند التعيين والترقية من خلال تاريخ القيد بنقابة المحامين ودرجة القيد  الا أن الترقية فى الواقع لاتتم الا  بمدد القانون 47لسنة 1978 البينية فى  تنحية عمدية لمدد الخبرة  والتى قد نص القانون 47لسنة1973 عليها الأمر الذى ترتب عليه أن رأينا مديرى العموم ومديرى الادارات القانونية هم  الأحدث تخرجاً وقيدا بنقابة المحامين  حتى وقد رأينا ان  المحامى بدرجة قيد استئناف ولم يمض على قيده سوى  عامين يرأس صاحب درجة قيد النقض كحال الادارة القانونية  بالهيئة العامة لقصور الثقافة فى مفارقة عجيبة وصادمة لكل منطق وكل الأعراف ومواد القانون ومقاصده .. فهل هذا معقول..؟

وهل بمكنة محامى الادارات القانونية  وبهذا الكم الهائل من الظلم الذى يعتريه  بمكنته  حماية المال العام  بلا استقلالية عن  كبار الموظفين  مُصدرى  الوكالة القانونية  وعاجزاً أمام القانون ذاته  وتناقضاته الكريهة والمُستفذّة ..بينما المشرّع نصف الموهوب فراح يُصفّق أن نجح فيما قصد ليثرى الفاسدين ويستشرى الفساد فى الوطن ..

ختاما فنحن من بعد ثورتين لابد وأن نواجه وبشدة هذا العوار  القانونى  بحماة  المال العام من رجال القانون  ممثلى الدولة أصحاب الوكالة عن كبار الموظفين .. فلابد لهم من  انسحاب مظلة الإنابة  تحقيقا لاستقلالهم  فى أدائهم واجبهم فى حماية المال العام ومساواتهم  بأقرانهم  فى استحقاقاتهم المالية  كذلك ان كنّا حقا فى دولة سيادة القانون  ومساواة وعدالة بين المراكز القانونية الواحدة …. خاصة وأن دورهما واحد  لافارق بينهما سوى فى الحُظوة الاجتماعية التى كان النظام السابق حريصا عليها  تعميقا للفجوة الاجتماعية  والأحقاد بين أبناء الوطن ومن هم فى درجة واحدة ودور واحد فكان يوزعها توزيع صكوك..

وأتفق مع ماطالب به الكثيرون من القانونيين  من ضرورة خضوع هذه الفئة  لاجراء  كشف الهيئة  المُتّبع فى اختيار أعضاء  الهيئات القضائية للحفاظ على  المعايير الشكليُة  أما الموضوعية منها فقد افترض توافرها فيهم من قبل لدى تعيينهم .. احتراما للدور  المنوط بهم  وتمثيلهم للدولة  كنظرائهم من أعضاء الهيئات القضائية .. وبذلك نُحقق النيابة فى تمثيل الدولة بلا افتئات على حقوق شطر من القائمين  بها  وكذا لاتكون الوكالة القانونية وكما يقبلها العقل والمنطق الا بصدد أعمال المحامى الحر القانونية فى علاقته بوكلائه من  الأفراد وأصحاب الأعمال والشركات الخاصة وبذا نكون قد أنهينا حيرة المشرّع نصف الموهوب بين النيابة والوكالة القانونية ..

 

اعلاناتاعلانات نقابة المحامين

اترك رد

من فضلك اترك ردك
من فضلك اكتب اسمك هنا