فتحى رضوان.. المحامى الثائر

0
485
فتحى رضوان

تكبير الخط

كتب :

لعلك تندهش وتشعر بالفخر فى آن واحد عندما تقرأ صفحات من تاريخ الزعماء الذين ناضلوا ضد الظلم فى هذا الوطن، والغريب أن منهم ما لم تصل سيرته العظيمة إلى مسامعنا، لذا وجب علينا ان نعرض سيرتهم الذاتية ليعلم الحاضرين ما ورثوه من عظام الماضى من سجل حفل بالبطولات  التى نسجت تاريخ الوطن .

فتحى رضوان

بحق هو مناضل من الطراز الذى لا يجود به الزمان كثيرا،فهو زعيم سياسي وصحفي ومفكر، شغل منصب وزيراً للإرشاد القومي (الإعلام) في بدايات خمسينيات القرن العشرين كما كان عضو مؤسس في حزب مصر الفتاة و أنشأ مجلس حقوق الإنسان المصري.

الميلاد 

ولد فتحى رضوان فى 14 مايو عام 1911 بمحافظ المنيا، وهو ليس صعيدى الجذور ولكن والدة كان مهندس ري بالمنيا، أما جده فقد كان ضابطا في الجيش التركي أحيل على التقاعد عندما بلغ السن القانونية ثم هاجر وتزوج من سيدة مصرية، وعاش حياته في بلدة المنير بالقرب من مدينة القناطر.

وفي هذه القرية اشترى قطعة من الارض بمعاشه ، كان يفلحها ويزرعها بنفسه ثم يوزع الايراد على القرويين ولذلك أحبه الفلاحون و أصبحوا يحاكمون إليه في منازعاتهم ومشاجراتهم ويقبلون حكمه.وعندما مات اعتبروه وليا من أولياء الله الصالحين وشيدوا له ضريح لا يزال قائما حتى الآن ويعرف بإسم “ضريح الشيخ عثمان” ثم راحوا يحتفلون كل عام بمولده.

والغريب أن الأسم الحقيقى المدون فى شهادة ميلاد فتحى رضوان هو “السيد فتحى” ، ولذا الأسم قصة طريفة رواها فى الكتاب الذى يحمل سيرته ىالذاتية وهى ان والدته كانت تتمنى من الله أن يرزقها بمولود ذكر، وذات ليلة رأت في نومها رؤيا أن السيد البدوي أتى لها و هو يحمل طفلا بين يديه وقدمه إليها وقال لها: “سترزقين بولد .. فسميه فتح الله” فتفاءلت الأم بهذه الرؤيا و ارادت ان تجمع بين اسم السيد البدوي و بين الاسم الذي ذكره لها في الرؤيا فسمته “السيد فتحي”.

ولد فتحى رضوان طفلا هزيلا فاصبح فريسة للأمراض المختلفة مثل التيفود والديفتريا والجدرى والحمى والروماتيزم فكانت أمه تخشى عليه من الموت خصوصا وهو ولد وحيد وسط ثلاثة بنات، كان والده فى هذة الاثناء يتنقل بحكم عمله من محافظة لأخرى إلى أن حط الرحال بالاسرة فى القاهرة حيث أجر الأب شقة بحي السيدة زينب،وكان المنزل ملك للفنانة المشهورة “امليا ديان” وهى بطلة فرقة الشيخ سلامة حجازى المسرحية

نشأة بين الفن والوطنية 

يكمل لنا فتحى رضوان فى سيرته «خط العتبة والخليج العاشق» أن أسعد لحظات حياته انذاك عندما تحضر فيها “مليا” بنفسها لتتسلم ايجار الشقة وتدعو الاسرة في بعض الاحيان إلى مسرح سلامح حجازي أو تجلس لتتحدث عن نهضة المسرح وتاريخه وعن سلامة حجازي وفنه.

تأثر “رضوان” جدا بشخصية الراحل مصطفى كامل الذى كان والداه يرويا له مواقفه وكيف أفنى عمره فى سبيل قضية الوطن ،وأزداد إعجابه به عندما التحق بالمدرسة الأهلية الابتدائية فكان يسمع خطب  “محمود أنيس” -صديق والده- ناظر مدرسته فى حفل نهاية كل عام وهو يتحدث عن مصطفى كامل ودوره فى إحياء الحركة الوطنية .

ويروى فتحى رضوان فى كتابه «خط العتبة والخليج العاشق» عن طفولته:“تعلمت دور الوطنية الاولى من المنزل .. بل من أمي بالذات .. كنت أعود من المدرسة .. فأجدها متجهمة الوجه .. ثائرة الأعصاب .. و في أحد الايام قالت لي أمي: يا فتحي .. ناد اخواتك و تعال.

وعندما عدت بعد لحظات مع شقيقاتي الثلاث ، وجدت أمي تجلس على أحد المقاعد وأمامها سلة كبيرة مغطاة ، وما كادت ترانا حتى قالت: هل أنتم جميعا هنا اجلسوا حولي.

ثم رفعت أمي غطاء السلة وأخرجت منها مجموعة من جريدة اللواء وبدأت تقرأ في صوت مرتفع خطب مصطفى كامل ومقالات مصطفى كامل”.

و في إحدى الامسيات عدت إلى المنزل متأخرا فوجدت شقيقاتي وأمي وهن ينتحبن في صوت مسموع وأمامهن جريدة اللواء، وارتعدت لهذا المنظر فقلت في سذاجة: أمي .. ماذا حدث .. هل مات أحد؟

فقالت أمي: أجلس يا بني .. اني اقرأ لشقيقاتك وصف جنازة مصطفى كامل!

هكذا كانت طفولة “رضوان” مليئة بالأفكار الوطنية فأمهكانت تأمل أن يسير ولدها على نفس النهج الوطنى لمصطفى كامل،و أخته كانت زعيمة الطالبات في المدرسة السنية.

فتحى رضوان ..الطالب الفصيح

حصل”رضوان” على الابتدائية عام 1924م، وحصل على الثانوية من إحدى مدارس أسيوط حيث كان والده يعمل هناك وقتها،وفي مدرسة أسيوط برز فتحي رضوان كصحفي، فقد دعا الطلبة إلى اصدار مجلة للمدرسة على غرار مجلة الخديوية والسعيدية.. فكانت بذلك أول مجلة لمدرسة أقليمية خارج القاهرة.

كما كتب أول مقال له في جريدة اللواء المصري التي كان يصدرها الاستاذ أمين الرافعي عام 1925 وكان المقال حول تنقيح البرامج المدرسية وهو البرنامج الذي وضعه “علي ماهر” وزير المعارف في ذلك الوقت.

وكانت أول محاضرة القاها فتحي رضوان عن داروين ومذهب التطور في جمعية القلم التي كان يرأسها الاستاذ حافظ محمود.

موقف طريف

يحكى لنا “فتحى رضوان” فى سيرته الذاتية موقف طريف حدث له، حيث كان الاستاذ لطفي السيد – وكان وزير المعارف وقتئذ – جاء لزيارة المدرسة .. و تفقد الدراسة فيها .. وكان المفروض أن يقف فتحي رضوان بالنيابة عن الطلبة فيلقي قصيدة عصماء كتبها ايضا الاستاذ علي الجارم.

وقبل الزيارة قامت المدرسة باجراء عدة “بروفات” كان يقف فيها فتحي رضوان ويلقي القصيدة مرة ومرتين وثلاث مرات .. وعندما حان موعد الزيارة .. تقدم فتحي رضوان في خطوات جريئة واخرج القصيدة من جيبه .. ولكنه بدلا من ان يقرأها كورها بين اصابعه ورماها على الارض وارتجل كلمة نثرية قال فيها: يا وزير المعارف .. اعلم تماما اننا لا نحتفل بك لانك وزير .. فلقد كنت أول من علمنا أن الوظائف تقليد لا تخليد .. وانما نحتفل بك كصاحب “الجريدة” ورئيس تحريرها .. وانك علمت فيها هيكل ومصطفى عبدالرازق والدكتور طه حسين ومنصور فهمي.

وما كاد الحفل ينتهي حتى اقبل لطفي السيد على هذا الطالب الجرئ ووضع يده على كتفيه وقال له : قل لي يا شاطر .. احنا صديقان .. انت ابن مين؟؟!!

النضال داخل اسوار الجامعة

وبعد حصوله على شهادة البكالوريا  التحق بكلية الحقوق عام 1929م  وواصل مع رفيقه أحمد حسين -صاحب مشروع القرش- المشوار فأصدروا جريدة تنشر أفكارهم الداعمة لحركة تدعو لزعامة مصر للدول العربية،بل وخرج من محيط الجامعة فدعا إلى عقد مؤتمر للطلبة الشرقيين .. يجتمع كل عام في عاصمة إحدى الدول الشرقية وتنظم فيه العاب اوليمبية شرقية.

وسافر فتحي رضوان إلى سوريا والعراق وتركيا وفلسطين .. وحدث أن ألقى محاضرة في الجامعة السورية يدعو فيها إلى فكرته وشرح أهدافها ومراميها .. فرفضت لبنان دخوله وقالت السلطات المختصة ان هذه الدعوة دعوة سياسية وطرد بالقوة.

وعندما عاد فتحي رضوان إلى القاهرة .. نشر بيانا وجهه إلى شباب مصر ودعاهم إلى أن يعملوا على تدعيم زعامة مصر.وكانت الحكومة القائمة في ذلك الوقت هي حكومة اسماعيل صدقي. وفهم صدقي أن فتحي رضوان بدعوته إلى تدعيم زعامة مصر إنما يرمي إلى تدعيم زعامة النحاس على مصر!!

فأصدرت الحكومة قرارا بحل المؤتمر وكانت لجنته العليا مكونة من علي ابراهيم رئيسا ومصطفى مشرفة واحمد أمين وعبدالوهاب عزام ومنصور فهمي أعضاء من الاساتذة.أما الشبان فكانوا مجموعة غريبة من بينهم عبدالقادر الحسيني وموسى الحسيني واسعد طلسي وجميل المسلمي وعبد القهار المذكر ومصطفى الوكيل وعمر الدسوقي وغيرهم.

العمل السياسى وبداية المشوار 

بعد تخرجه فتح مكتبا للعمل بالمحاماغة و أنشأ مع صديقه مشروع القرش ثم حزب مصر الفتاة عام 1933م وظل به حتى عام 1937م حيث اختلف مع صديقه حول بعض الأفكار، فانضم للحزب الوطني ولكنه لم يستمر به ايضا لعدم رضاءه عن اسلوبه فى التعامل مع القضايا الوطنية.

ولهذا أنشأ عام 1944  الحزب الوطني الجديد على مباديء الحزب الوطني الذي أنشأه الزعيم مصطفى كامل، كما أصدر جريدة اللواء الجديد حيث صدر العدد الأول منها في 12 نوفمبر 1944م وظل الحزب قائماً حتى حُلّت الأحزاب عام 1953م.

تعرض “فتحي رضوان” للاعتقال اكثر من مرة لأسباب مختلفة كان أولها لمعادته للانجليز واعتراضه على أفعال الملك فاروق ولما تصنعه الحكومات الموالية للأنجليز كما عارض النحاس فى معاهدة 1936 التى راى إنها تعتبر عار على مصر ان ترضى ببنودها، وكان له رأى أن لا مفاوضات قبلا الاستقلال ، وهو نفس الشعار الذى تبناه الأب الروحى للجيش اتلمصرى “عزيز المصرى”.

ترشح في الانتخابات النيابية مرتين قبل الثورة ولم ينجح فيهما بسبب التزوير الذي كان يحدث، تمّ اعتقاله بعد حريق القاهرة في 26 يناير1952م وظل في المعتقل حتى قيام ثورة 23 يوليو1952م.

خرج من المعتقل مع ثورة يوليو1952 ليختارة على ماهر ضمن اول وزارة إختارها الجيش بعد الثورة فأصبح وزيرا للإرشاد القومي (الإعلام حالياً)

أستمر  وزيرا للدولة من 8 سبتمبر عام 1952 حتى 28 يونيو عام 1956 و فى تلك الفترة عين وزيرا للارشاد القومى من 17 نوفمبر عام 1952 حتى 9 ديسمبر 1952 .
عين وزيرا للاشغال العمومية فى 18 يونيو عام 1953 فى الوزارة الثانية و السبعون ( وزارة الرئيس نجيب الثانية ) و هى الوزارة التى تشكلت فى اعقاب الاعلان الدستورى الصادر عن مجلس قيادة الثورة بأعلان الجمهورية و تولى فيها الوزارة لمدة 24 يوما حتى صدر تعديل وزارى فى 8 يوليو عام 1953 بتعين المهندس الشرباصى وزيرا و بالتالى لم يكن لة نشاط يذكر خلال تولية وزارة الاشغال.
عين وزيرا للارشاد القومى مرة اخرى من 28 يونيو عام 1956 حتى خرج من الوزارة فى 7 اكتوبر عام 1958 حيث يروى لنا الراحل “رضوان”:”عندما اعتذرت في أكتوبر 1958 عن أن أكون وزيرا للثقافة والارشاد القومي فوجئ الدكتور «ثروت عكاشة» وكان سفيرا لمصر في روما وهو يستمع إلي نشرة الأخبار من الإذاعة بأنه اختير وزيرا للثقافة دون أن يفاتحه في هذا الأمر أحد!!»، وبعدها تفرغ للعمل بالمحاماة، لكن لم يفرغ من النضال ضد السياسات الظالمة أو عسكرة الدولة فنجد أنه هو بالذات من سجنه أنور السادات في هجمة اعتقالاته الشهيرة لكل رموز مصر الثقافية والأدبية والسياسية في سبتمبر 1981،بل ونعته في خطبته يوم 5 سبتمبر 1981 بأنه قد بلغ السبعين وأنه «خرف»!

الأديب والمفكر ..فتحى رضوان

لم يكن “رضوان” سياسى فقط بل أبدع أيضا فى الأدب بل واثر فى الكثير من المثقفين في مصر والعالم العربي ولا زال يؤثر.

فكتب في المسرح والأدب والسيرة والسياسة ومن مؤلفاته:-

• 72 شهرًا مع عبد الناصر                   • أسرار حكومة يوليو                       • الخليج العاشق

• حركة الوحدة في الوطن العربي         • خط العتبة                                  • خط العتبة

وغيرها من المؤلفات والمقالات التي تنم على سعة أفقه الفكري والسياسي.

وفاته
ظل فتحي رضوان طيلة سبعة وسبعين عاماً مناضلاً من أجل الحرية، وظل كذلك حتى وافته المنية في 2 أكتوبر1988م، ودفن بجوار زعيميه مصطفى كامل ومحمد فريد. رحم الله هذا السياسي المناضل والوطني الغيور والمفكر المثقف، وإن كان رحل عنّا بجسده إلا أن وطنيته ستظل شموعاً يستضاء بها نحو إنشاد الحرية.

 

اعلاناتاعلانات نقابة المحامين

اترك رد

من فضلك اترك ردك
من فضلك اكتب اسمك هنا