أساليب المرافعات..السخرية،التعجب،الاستفهام وغيرها

0
1351
أرشيفية

تكبير الخط

كتب :

أساليب المرافعات

مهما كانت طبيعة العمل، فإن صاحبه لا يكتفي بإيصال المعلومات إلى المستمعين حتى يوصف بالبلاغة، بل لا بد له من أسلوب يسلكه في إيصال أفكاره، وفي هذا يتحدث أحمد الحوفي فيقول: “ليست البلاغة أن تفهم المعنى وإلا لتساوت الركاكة والتعبير والإشارة، الجيد والرديء والعامي والفصيح، وإنما البلاغة وثبة فوق إفهام المعنى. رتبة سمكها الامتياز في التعبير، ومطابقته للحال” والأسلوب كما يعرفه أحمد الشايب “الطريقة التي يسلكها الإنسان في تأليف كلامه واختيار ألفاظه”.

وأسلوب المرافعة مستمد من هذا الفن الذي تمتزج فيه الأدلة التي تكفل الإقناع بالإثارة التي تحقق الاستمالة، فلا غرابة أن يكون لها أساليب خاصة تتغير حسب ما يقتضيه المقام برغم أن المفردات المستعملة واحدة، وقواعد تركيب الجملة واحدة.
والمرافعة موجهة بالدرجة الأولى إلى عواطف القضاة ثم إلى عقولهم. وما دامت الأدلة التي تخاطب العقول ثابتة، فإن التغيير يكون في أساليب مخاطبة العواطف، ولعل الأسلوب الإنشائي بما فيه من تعجب واستفهام ونداء وتمن وأمر ونهي ودعاء، مع ما تؤديه هذه الصيغ من معان مجازية إضافية كالتوبيخ والتقريع والتهديد والتهكم والعرض والتحضيض، خير أسلوب يخاطب عواطف القضاة، وفيما يلي نلقي الضوء على تلك الأساليب وأثرها في عواطف القضاة.

أسلوب التعجب

كثيراً ما يلجأ المترافع إلى أسلوب التعجب في مرافعته وذلك من أجل، تقريب وجهة نظر أو توكيدها. يقول المحامي (أوبان) المترافع عن السيدة (ماري استانهيل) المتهمة بقتل زوجها: “إن موكلتي – سيدي الرئيس – حاولت أن تقول في استجوابها كل ملابسات القضية، وإن رأى دفاع النيابة أن هناك تناقضاً في القول، فما هو إلا أن الصورة التي عاشتها وتعيشها مشوشة لا تكاد تصدق، وأن أطراف القضية متشعبة، فما أكثر ما يخلط الإنسان حين تزدحم عليه الأفكار إلى الحد الذي يرى في نفسه تناقضاً في التوجهات والإرادة”.
ففي هذه الفقرة من مرافعته استعمل المحامي أسلوب التعجب في قوله: “ما أكثر ما يخلط الإنسان حين تزدحم عليه الأفكار” وهو بذلك دعم فكرته في أن التناقض في الأقوال ناشئ عن تشعب ملابسات الحادث، وهو بذلك يفند رأي النائب العام في أن هذه التناقض دليل على تجريمها.

أسلوب الاستفهام

مما لا شك فيه أن أسلوب الاستفهام سواء أكان حقيقياً أم مجازياً يعد الأسلوب الأكثر استعمالاً في المرافعات القضائية، إذ لا تكاد تخلو مرافعة من الاستفهام الذي قد يخرج عن معناه الحقيقي إلى معان مجازية أخرى تؤدي وظيفة يرمي إليها المترافع، ولننظر إلى مرافعة أحد المحامين عن متهمة بدس السم لزوجها وقتله، سوف نرى كيف وظف الاستفهام لخدمة غرضه إذ يقول: “وبعد هذا، من يستطيع أيها السادة المحلفون أن يمسك بكم؟ كيف يمكنكم أن ترددوا معي بكل إخلاص من أعماق ضمائركم: لا! هذه المرأة ليست مذنبة لأنه لا يمكنها أن تكون مذنبة! ولكن يا للأسف. هذا كل ما يمكنكم فعله من أجلها، أما ما لا تستطيعونه إطلاقاً فهو إعادة الإزهار إلى حياتها التي ذبلت إلى الأبد. ما لا تستطيعون هو الحؤول دون أن تكون هذه المرأة أشقى نساء الأرض! انظروا!!! هل من مصير أدعى إلى التحسر من مصيرها؟” فصيغة الاستفهام الأولى “من يستطيع أن يمسك بكم” تحمل معنى النفي، في حين أن الصيغة الثانية “كيف يمكنكم أن ترددوا معي…” تتضمن معنى الطلب، أي رددوا. والصيغة الثالثة “هل من مصير أدعى إلى التحسر من مصيرها” تتضمن معنى النفي مثل الصيغة الأولى. وإضافة إلى معنيي النفي والطلب فإن الاستفهام قد يكون إنكارياً أو توبيخياً مما يؤدي بالقاضي إلى إعادة النظرة بعد النظرة في كلام المتهم قبل تكذيبه. ويتضح هذا الأسلوب في هذه القطعة من مرافعة أحد المحامين عن متهمة بقتل امرأة أخرى.. إذ يقول: “لقد حاولت موكلتي في استجوابها إيضاح علاقتها بالمجني عليها، ولقائها بها قبل الحادث وهي تشكو لها استمالتها لزوجها، وقد وعدتها المجني عليها أن تبتعد عن زوجها، وطمأنتها أن الأمر سينتهي، وأن زوجها سيرجع إليها وإلى بيتها… فكيف تشككون بكلام موكلتي ولا تطمئنون إليه. وقد كانت غير ملزمة بالحديث عن تلك التفاصيل فضلاً على أن المحكمة ليس لديها ما يؤيد تلك المحادثة”.
ومن أجل تشويق القاضي يلجأ المترافع إلى أسلوب الاستفهام وذلك بوضع مجموعة من الأسئلة يجيب عنها عند نهاية كل سؤال، إذ يثير السؤال في نفس القاضي حب الاستطلاع لمعرفة الجواب، مما يدعوه إلى التيقظ والإصغاء، فتصبح تلك الإجابة باقية متمثلة في ذهن القاضي. ومن هذا النمط ما قاله وكيل النائب العام في قضية اتهمت فيها امرأة بقتل أمها وزوجها إذ قال في مرافعته: “لماذا أقدمت المتهمة على كل هذه التناقضات؟ لأنها كاذبة! ولماذا أقدمت على قتل أمها وزوجها في ليلة واحدة؟ هذا هو اللغز الأكبر”. ومثل آخر ما قاله محامي الدفاع في القضية نفسها: “قبل كل شيء نعرف جميعاً أن لا جريمة بلا سبب. هل الخلاف الزوجي هو الدافع هنا؟ لم يثبت التحقيق إطلاقاً أن المودة كانت مفقودة بين المتهمة وزوجها أو بينها وبين أمها بل العكس هو الصحيح”.
وقد يعمد المترافع إلى أسلوب الاستفهام دون أن يجيب عنه وهذا الأسلوب مستحسن إذ كانت جميع الأسلة فعالة ومؤدية إلى إجابة واحدة يستـنتجها القاضي بشكل حتمي، وفي القضية السابقة يعمد وكيل النيابة إلى هذا الأسلوب فيقول: “إن المتهمة تدعي أنها بريئة، ولكن إذا كانت بريئة لماذا كذبت، ولماذا حاولت اتهام خادمتها ثم حاولت اتهام ابن خادمها؟ ولماذا أخيراً حاولت اتهام الصحفي الأمريكي؟ ولماذا زعمت أن سبب الجريمة هو السرقة؟ وقد ثبت أن لا سارق ولا مسروق”.
فمجيء هذه الأسئلة بهذا الزخم والتكثيف يؤدي إلى نتيجة واحدة وهي عدم براءة المتهمة، كما يرى وكيل النيابة، ولا سيما أنها جاءت بعد جملة “تدعي فيها المتهمة أنها بريئة”.
وعلينا ألا ننسى أن الإسراف في استعمال هذا الأسلوب، وبخاصة في الحالات التي لا تؤدي إلى نتيجة واضحة – يؤدي إلى سأم القاضي والمستمعين مما يؤدي إلى عدم الاستماع الجيد، وحصول نتيجة معاكسة للمطلوب، ومن ذلك ما في مرافعة أحد المحامين عن متهم بقتل زوجته. إذ يقول: “أتدرون لماذا فعل موكلي كل هذا الذي فعل؟ أتدرون لماذا عامل موكلي زوجته هذه المعاملة؟ أتدرون كم كان موكلي متسامحاً مع زوجته؟ أتدرون كيف كانت زوجة موكلي تعامله وتتعايش معه؟ فماذا يصنع المسكين وقد حامت حول زوجته الشبهات”.

أسلوب السخرية

ذكرنا سابقاً أن المرافعة الناجحة هي التي يسلك فيها صاحبها طريق الوضوح في لغتها ومعانيها، وذلك كي يستطيع القاضي أن يفهمها دون أن يجهد تفكيره في حل ألغازها وأفكارها، لكن المترافع يلجأ إلى قول أشياء ويقصد بها أشياء أخرى وذلك بقصد السخرية من موقف معين أو من قول لخصمه، وإذا ما كانت هذه السخرية غير ملبسة فإنها تؤدي دوراً فعالاً في نتائجه، ففي إحدى القضايا أمام واحدة من المحاكم اللبنانية صور محامي الادعاء جراح موكله البسيطة بشكل مبالغ فيه، فرد عليه محامي الدفاع بأسلوب ساخر مما تسبب في تخفيف الحكم عن المتهم، فقال بلهجة هازئة: “تحدث الزميل الكريم وكيل المدعي عن الجراح (الثخينة الخطيرة) التي أصيب بها موكله على أثر ضربه (ضرباً مبرحاً) من جانب موكلي المدعى عليه (المتوحش) وقد نال المضروب تقريراً طبياً بثلاثة أيام للراحة لا يتعطل خلالها عن العمل، ووكيل المدعي يستند إلى هذا التقرير (الخطير) كي يطلب ما يعادل قيمة عشرة آلاف دولار عطلاً وضرراً مع العلم أنه يحتفظ ضمناً بحق المطالبة بفرق سعر الدولار… إن من يسمع وكيل الجهة المدعية يصف جراح موكله ويحدد ثمنها يظنها جراح السيد المسيح، المجد لاسمه وتعالت جراحه عن كل تشبيه”.

أسلوب التكرار

الكل يعلم أن التكرار من الأساليب الممقوتة في الأعمال الأدبية، وأن تكون ممقوتة في المرافعات القضائية أولى، وذلك لأن رد الفعل يكون آنياً وقد يؤدي إلى نتائج غير محمودة العواقب، إذ إنه يؤدي إلى الملل والسأم. لكن المترافع قد يلجأ إلى أسلوب التكرار في بعض الأحيان بغرض ترسيخ فكرة عند القاضي وزيادة في استدعاء انتباهه. ولنستمع إلى أحد المحامين يترافع عن موكله ويحاول ترسيخ فكرة براءته عند القاضي إذ يقول: “كل شيء يثبت أن موكلي بريء، لم يحاول الهرب من وجه القضاء، إنه بريء، لم يرد في كلامه أي تناقض، إنه بريء لم يقل شاهد واحد إنه كان في مكان الجريمة ساعة ارتكابها، إنه بريء، أثبت وجوده في مكان آخر، إنه بريء”.

ولنستمع إلى النائب العام عبدالخالق ثروت يترافع في إحدى القضايا لنرى كيف وظف أسلوب التكرار إذ قال: لقد بدأ هؤلاء الشبان يفكرون في استباحة القتل وإراقة الدماء تخلصاً مما صور حمقهم من الشقاء قبل أن يفكروا في الخلاص من جهالتهم التي هم فيها يعمهون. إن هذه الأفكار الطائشة الخطرة كالسلاح في يد المجنون الهائج، إن لم يعجل بنزعه منه قوة واقتداراً كانت العاقبة وبالاً. وعلى مَنْ هذا الواجب الخطير الشريف؟ إنه عليكم الآن يا حضرات المستشارين. امحوا هذه الأفكار الخطرة، وانزعوا هذا السلاح القاتل، انزعوه من أيدي هؤلاء المفتونين قبل أن يصيب البلاد شره المستطير، انزعوه بحكم ترضاها الحكمة وأصالة الرأي. إنكم بذلك لا تكسفون الرحمة والعدل، بل تزيدونهما رواء وجمالاً. أليس من الرحمة والعدل أن تحموا أرواح الأبرياء؟ أليس من الرحمة والعدل أن تبعثوا الطمأنينة في القلوب الواجفة؟ أليس من العدل أن ترحموا صغاراً كالغصون الرطبة أوشكت أن تلتوي على الشر تقليداً أعمى للمتهمين وأمثالهم؟”.

لقد وظف النائب العام التكرار في هذه المرافعة توظيفاً رائعاً، فبعد أن قدم للقضاة وجهة نظره في خطورة الأفكار التي يتبناها المتهمون وضرورة التخلص منها، راح يدعوهم إلى الحزم والشدة في معاملة هؤلاء المتهمين وذلك بتكرار كلمة “انزعوا” بكل ما تتضمنه هذه الكلمة من شدة، ولم يكتف بذلك، ولكنه حرصاً على استثارة همم القضاة في تحقيق طلبه، فإنه راح يخاطب عواطفهم أيضاً بتكرار أسلوب الاستفهام التقريري وارتكازه على كلمتي الرحمة والعدل في قوله: “أليس من الرحمة والعدل” وذلك من أجل تسويغ ما يستحثهم على تحقيقه، وبذلك يرسخ في قلوب القضاة أن ما سيحكمون به في حق هؤلاء المهتمين ما هو إلا الرحمة والعدل.

أسلوب المخاطبة المباشرة

المرافعة على العموم هي نوع من الحوار، أو الحديث الذي يسمونه (مونولوج)، هي حديث يوجهه المحامي إلى القاضي، لكن المترافع أحياناً، يجد من الضروري أن يتوجه مباشرة إلى خصمه أو إلى المتهم من أجل الوصول إلى نتيجة حاسمة مفحمة، أو من أجل التأثير على القضاة وذلك بإقرار حقيقة يراها المترافع، فيحاول بهذا الأسلوب أن يرسخ فكرته في عقولهم. وخير مثال على ذلك ما فعله الأستاذ أحمد لطفي في مرافعته دفاعاً عن المتهم بقتل بطرس غالي إذ قال مخاطباً المتهم: “أما أنت أيها المتهم، فقد همت بحب بلادك حتى أنساك ذلك الهيام كل شيء حولك…” .

ولكن أسلوب المخاطبة هذا يفقد فاعليته إذا لم يحسن المترافع تقديمه بلغة قادرة على تمثيل فكرته بالشكل الأفضل مثلما خاطب وكيل النيابة متهمة بقتل زوجها فقال: “هل ستقولين يا (ماري كابل) إن والدة (شارل لافارج) هي التي سكبت له السم؟ ولكن احذري غضب هيئة المحلفين إذا خطرت لك هذه الفكرة، إذا ادعيت مثل هذا الادعاء فإنك سترتكبين جناية جديدة تدفع هؤلاء المحلفين إلى قساوة لا يضمرونها لك الآن… أجل يا (ماري كابل) هذا أنت التي وضعت السم لزوجك، أنت التي عذبته بالسم خلال خمسة عشر يوماً. أنت التي اشتريت السم واشتريت منه كثيراً. إذا لم تكوني مذنبة فلا يكفيك أن تقولي إنك مقتنعة ببراءتك، بل عليك أن تدلينا على الذي أبدل قرص الحلوى السليم وعلبته بقرص آخر مسمم وعلبته، ثم قولي لنا ماذا صنعت بكميات الزرنيخ التي اشتريتها؟”، فبالرغم من قوة الأدلة التي يمتلكها وكيل النيابة فإنه أفسد مرافعته بعدم مقدرته على توظيف أسلوب المخاطبة لخدمة الأدلة، فجاءت لغته مقصرة عن الوصول إلى مبتغاه.

استعمال الاستعارة والتشبيه

ذكرنا سابقاً أن القضاة بحاجة إلى الكلام الواضح السهل الذي لا يحتاج إلى جهد عقلي كبير كي يفهم، ولكن هذا لا يعني أن المترافع مكلف بالابتعاد عن الاستعارة والتشبيه والكناية، بل على العكس من ذلك، فإذا ما عرضت له استعارة تسهم في توضيح الفكرة وإبرازها فلا حرج عليه في استعمالها ما دام هذا الاستعمال لا يقود إلى الغموض، ذلك أن الغموض هو السيئة الكبرى في المرافعة. ومن الاستعارات الجميلة الملائمة ما قاله أحد المحامين في نهاية مرافعته: “أنا واثق منكم – سادتي القضاة – إنكم ستخلون في محراب العدالة المقدس إلى أنفسكم، فتقررون مصير هؤلاء المتهمين”.
ومن التشبيهات الناجحة ما قاله المدعي العام راجي الراعي في مرافعته مخاطباً المتهم الذي كان أحد رجال الدين وأجرم انتقاماً، إذ قال: “لقد أجرمت انتقاماً، وكان الجدير بك، وأنت رجل دين أن تصفح وتغفر فتكون كشجرة الصندل التي تعطر فأس قاطعها”.
فلا بد للمترافع إذن من أن ينوع في أساليب القول، إذ إن الافتنان في التعبير عن المعنى بأساليب مختلفة وسيلة من وسائل التأثير التي ينبغي على المترافع اتباعها وذلك حتى يكتسب كلامه جدة، ويستحق الإصغاء الجيد من القضاة والمستعمين.

طرق أداء المرافعات

ذكرنا أن الهدف الأول والأخير من المرافعة هو إقناع المحكمة بوجهة نظر المترافع سواء أكانت اتهاماً أم دفاعاً، وعلى هذا الأساس، فإن المترافع لا يصل إلى هذه الغاية إلا إذا كانت أفكاره متسلسلة، مدعمة بالأدلة اللازمة، ومعتمدة على معرفة كافية بالقانون.
ومن أجل أن يحقق المترافع حظاً أكبر من تسلسل الأفكار، فإنه يلجأ إلى الإعداد المسبق للمرافعة؛ وإعداد المرافعات يجب أن يمر بخطوات تفضي إلى الغاية المرجوة، فبعد الأدلة واستخلاصها وترتيبها بشكل متماسك ومتسلسل، يبدأ بإعداد الردود على خصومه، وذلك بأن يتخيل نفسه في موقع خصمه وينظر في القضية ويرى ما يمكن أن يكون سلاحاً ضده فيعد له الرد المناسب، ثم يأتي ترتيب المرافعة، ولا بد من أن يبدأ بأقوى الأدلة كي ترسخ في نفس القاضي فيصبح من العسر انتزاعها.

وإذا ما حانت ساعة إلقاء المرافعة، ألقاها ارتجالاً، والارتجال لا يعني ارتجال الأفكار وإنما يعني ارتجال التعبير، فلا بد للمترافع من أن يلقي مرافعته مشافهة لأن قراءتها يفقدها سحر البيان كما يفقدها فاعليتها، وفي ذلك يقول (كانتاليانوس) في المؤسسة الخطابية: “في رأينا أن قراءة المرافعة تتنافى مع البلاغة الحقة التي تقوم على الارتجال”، وهو بالارتجال يستطيع أن يشرف بنظراته فيدرك كل ما يحيط به ويستطيع أن يقوم بواجباته المهنية على الوجه الأكمل، إذ إن المرافعة المكتوبة تحبس الذهن عن التصرف التام في فنون القول، ولا ننسى أن من مستلزمات الإلقاء الفعال الإشارة بشرط ألا يسرف فيها، إذ إن كثرة الحركات والإشارات يسيء إلى البلاغة، وفي كتاب (المؤسسة الخطابية) يسخر كانتالونوس “من تلك الفئة من الخطباء الذين لا يستطيعون لفظ كلمة دون صراخ وغضب وتلويح بالأيدي وهزات رأس ونظرات شرسة نارية”.

والمترافع إذ يلقي مرافعته فإنه يلاحظ القاضي في إشاراته ونظراته، فإذا ما لمح منه إقبالاً في سماع نقطة معينة أشبع فيها القول، وإذ ما لمح منه إعراضاً عن نقطة فإنه يتركها حتى تتهيأ فرصة مناسبة للرجوع إليها، ذلك أن الإصرار على متابعة الحديث في نقطة ضجر منها القاضي يعني مخاصمة لهذا القاضي، والقاضي ليس بخصم للمترافعين وإنما هو عون لهم على إحقاق الحق.

ومما لا شك فيه أن المرافعة تكتسب قوة بتغير النبرات، وتفاعل المترافع مع ما يقوله، فيرفع الصوت حيث لزم ذلك، ويخفضه حيث لزم، وعلى المترافع أن يعرف المواطن التي تتطلب استدرار عطف القضاة، كما عليه أن يعرف مواطن الإسراع في القول والإبطاء وفق مقتضيات الحال، فيسرع في موقف الحماسة، وفي موقف الروية يتأنى.
وقد ذكر الأستاذ حسن الجداوي “أنه دخل مرة قاعة محكمة الجنايات في ليون بفرنسا فلفت نظره أن المحامي يترافع بسهولة مدهشة ولغة عادية ولكنها جلية مرتبة، تصاحبها حركات نادرة متناسقة مع العبارات ومع ذلك كان المحامي بنبرات صوته، وجمال معانيه، وبلاغة تعبيره وقوة حجته مسيطراً على سامعيه من جمهور وقضاة وزملاء، حتى لتحسبهم يغضبون إذ غضب، ويشفقون إذا لان صوته واستدر رحمتهم، ولما سأل عن المحامي وعرف أنه هنري روبير ازداد إعجاباً”.
وأخيراً لا بد للمترافع من أن يكون ذا بديهة حاضرة دائماً فيستطيع الاستفادة من سقطات خصمه وتحويلها لصالحه، وقد قال الهلباوي: كثيراً ما شعرت بتحويل في تيار فكري إلى نقطة تصلح لموكلي استنبطها من طريقة الخصم، أو من ملاحظة المحكمة، وأعظم نقطة أشكر الله عليها توفيقي في انتهاز هذه الفرص في لحظتها، ثم التعبير عنها والاستفادة منها”.
وأفضل طرق الأداء للمترافع، ما يمكن أن يسمى الارتجال المكتوب، أي أن يكتب المترافع رؤوس الموضوعات التي ينوي إيرادها في مرافعته، ثم يعبر عنها مشافهة، مراعياً ظروف الحال داخل المحكمة، وبذلك يكون قد تخلص من مخاطر الأداء بطريقة التلاوة، ومن عثرات الأداء بطريقة الارتجال المطلق دون الاحتفاظ برؤوس الموضوعات التي يمكن أن تغيب عن الذهن إن لم تكن مدونة.

اعلاناتاعلانات نقابة المحامين

اترك رد

من فضلك اترك ردك
من فضلك اكتب اسمك هنا