لغة الخطابة فى المرافعات

0
594
images

تكبير الخط

كتب :

لغة المرافعات وفن الخطابة
مما لا شك فيه أن الأفكار القانونية تبقى حبيسة في الذهن ما لم يعبر عنها باللغة، سواء أكانت هذه اللغة مكتوبة أم منطوقة. ومما لا شك فيه أيضاً أن الثقافة القانونية للعاملين في مجال القضاء متقاربة، ذلك أنهم يقضون سنوات وسنوات يدرسونها في معاهد العلم وفي مجال ممارستهم لمهنتهم القانونية. أما ما يتمايز به العاملون في هذا المجال فهو اللغة، إذ إنها هي التي تحدد تفوق رجل القانون أو تخلفه، فالقانوني المتفوق هو الذي يجمع إلى جانب الفكر القانوني الناجح حسن التعبير عن هذا الفكر. وأرسطو إذ يتحدث في هذا الموضوع يرى أن كمال الأسلوب في الشعر والخطابة يعتمد على اللغة الواضحة الدقيقة دون إسفاف في الأسلوب ودون سمو لا مبرر له.

وفن الخطابة عامة، والمرافعة بشكل خاص لا تبلغ النتائج المرجوة، إلا عندما يحسن الخطيب أو المترافع استعمال اللغة، وليس سهلاً على المحامي أو النائب العام أن يترافع ببساطة ووضوح وعفوية، فذلك لا يتحقق إلا بمعرفة لغوية دقيقة، وإلمام عميق بأصول الخطابة. فالمرافعة في ساحة القضاء، كما يصفها الأستاذ حسن الجداوي “مباراة أسلحتها الوحيدة المعتمدة قوة البيان، وثبات الحجة، وقرع الحجة بالحجة، والتدليل المنطقي والاستعانة – لكن بقدر- بتأثير العاطفة واستدرار رحمة الحكم الذي هو القاضي أو استثارة غضبه واستنهاضه لتحقيق واجبه”.

والحق في أكثر الأحيان جوهر نادر ثمين مستقر في الأعماق، فلا يتبلج وحده كما يتبادر إلى الأذهان، بل إنه يكون خفياً عن الباحث لأن الباطل يخفيه بألاعيبه، أو لأن العهد طال عليه فصار كالمعدن الكريم المستقر في الأعماق، لذلك فمن العبث الاعتماد على قوته الذاتية، ولكن “لا بد من لسان فصيح يكشف الحجب عن الحق المستور”. والقضاة بشر، ذوو وجدان تأسرهم البلاغة ويخلبهم جمال العرض ولين الاسترحام أو قسوة التحريض على الانتقام” وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها”.

لذلك كله، فإن المحامي بحاجة إلى بيان حسن ومنطق واضح وبلاغة عالية حتى يصرع حقُّه باطل خصمه.
والمرافعة، شأنها شأن الخطبة العادية، تنقسم وفق التصميم الكلاسيكي إلى مقدمة وجسم وخاتمة، وعن مضمون المقدمة يتحدث (كانتليانوس) في كتابه المؤسسة الخطابية فيقول: “في المقدمة ينبغي إعلام القاضي دون إبطاء بما نريد بيانه في المرافعة وبالتصميم الذي اعتمدناه، وهي لا تتحمل الإسهاب بل يجب أن تكون موجزة كل الإيجاز، إذ على الرأس أن يكون منسجماً بحجمه مع الجسم”.
ولكن هذا لا يعني أن تتحول المقدمة إلى برقية مقتضبة يعوزها الوضوح، بل لا بد من أن تكون موجزة بالقدر الذي يسمح أن يقدم جوانب القضية واضحة وتامة.

مثال

ولننظر إلى مقدمة مرافعة الدفاع عن تهمة (تنظيم الجهاد) في مصر الواردة برقم 28 لسنة 1982 أمن دولة عليا إذ يقول: “إننا ندافع اليوم عن مظلومين فيما نسب إليهم وعن مسلمين حاولوا إعمال الفكر الإسلامي لكنهم قوبلوا بأسوأ معاملة ونسبت إليهم أفعال جرمها القانون وهم منها براء.

حضرات المستشارين:

سوف أتحدث عن فكر ومبادئ وأهداف المتهمين التي وصفها ممثل الادعاء بأنها آثمة، ولكن أقول له مهلاً ورفقاً بنا يا زميلنا الفاضل… لأن هذه الأفكار وتلك المبادئ هي الإسلام بكماله وشموله، لأن الإسلام حياة كاملة للأسرة والفرد والمجتمع والبشرية كافة، فهو شريعة صالحة لكل زمان ومكان، وشريعة فوق كل الشرائع لا يكتمل أي أمر إلا بهذه الشريعة، والانتصار لهذا الدين أساس، والدفاع عنه واجب مفروض على كل المسلمين.

والمتهمون يريدون الانتصار لدين الله، وفي سبيل ذلك فإنهم مستعدون للموت، وإنه لا يكمل إيمان مسلم حاكماً أو محكوماً إلا بتطبيق شرع الله، والدليل على وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية مستمد من القرآن، إذ قال عز من قائل: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” وقال تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون” وقال جل وعلا: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون” والمستفاد من قوله تعالى: “فاحكم بينهم بما أنزل الله” فهذا أمرٌ يدل على عدم مشروعة التحاكم بغير ما أنزل الله، وقاعدة الحكم بما أنزل الله لا خلاف عليها، وإن الله وصف الذين يحكمون بغير ما أنزل بأنهم كافرون ظالمون فاسقون… فهدف المتهمين جميعاً إقامة الدولة الإسلامية التي تحكم بشرع الله”.

إن هذه المقدمة تصلح لأن تكون نموذجاً يستدل بها على الخصائص اللغوية للمرافعة، فقد ألبس لغته ثوب العقل، ووجه ألفاظه لتخاطب فكر القاضي فحشد فيها ألفاظ الأدلة والثبوت والأحكام الشرعية، وبالاعتماد على هذا النموذج يمكن أن نستشف الخصائص اللغوية للمرافعة الناجحة .

اعلاناتاعلانات نقابة المحامين

اترك رد

من فضلك اترك ردك
من فضلك اكتب اسمك هنا