المرافعة ووسائل الإقناع

0
656
محامى

تكبير الخط

كتب :

لا شك في أن عمل الخطيب هو أن يقدم الحقائق أو ما يشبه الحقائق لإقناع سامعيه، والخطيب القضائي، في إدراك هذه الناحية، أولى من غيره، إذ يجب عليه أن يجذب المستمعين إليه، وأن يدفعهم إلى الإنصات له، والإذعان لما يقول والتسليم به لأنه يعتقد أنه يقول الحق وأنه يدافع عن الحق، وفي ذلك يقول سعد زغلول وهو أحد شيوخ رجال القانون والمحاماة والقضاء: “مجالس القضاء مكان لمغالبة الخصوم ومقارعة الحجج، وميدان فسيح للاستدلال الخطابي، كلٌّ يحاول جذب القضاء إلى فكرته، وإقرار دعواه، وإجابة طلبه”.

فغاية المرافعة، سواء أكانت في حالة الدفاع أم في حالة الاتهام، إقناع القاضي بوجهة نظر معينة، لإبراز براعة المترافع الخطابية، “فكل ما ينحرف عن هذه الغاية ثرثرة لا طائل فيها أو تبجح لا يليق، وبالتالي فهو هدر للوقت وإساءة إلى الدعوى”. ولا يستقيم هذا الأمر إذا لم يؤسس وفق أصول بحثت منذ القدم يقول فيها أرسطو: يراعي المرء في قوله ثلاثة أشياء: أولها: وسائل الإقناع، وثانيها: الأسلوب واللغة التي يستعملها، وثالثها ترتيب أجزاء القول.

وأولى وسائل الإقناع هي الأدلة

وهي “ما يتوصل به إلى معرفة الحكم سلباً أو إيجاباً”. ولا يشترط فيها أن تكون يقينية بل يصح أن تكون ظنية قابلة أن ترفع إلى مرتبة اليقين في نفوس السامعين، وذلك بما يستعمله الخطيب من الوسائل. “والأدلة لها ينابيع تصدر عنها، وتستنبط منها، ويتجه إليها عند طلبها وتسمى مواضع”. وقد تكون هذه المواضع ذاتية وهي التي تؤخذ من ذات الموضوع لا من شيء خارج عنه، وقد تكون عرضية، وهي التي تؤخذ من مصادر خارجة عن ذات الموضوع وذلك عندما لا يدرك السامع ما في ذات الموضع من حقائق فيصعب عليه أن يقتنع بأدلته.

الأدلة الذاتية

وفيما يخص الأدلة الذاتية فإن أهمها العلة والمعلول، ذلك أن التعليل روح الاستدلال، وكثيراً ما يستعمل المحامون ورجال النيابة الدافع على الجريمة دليلاً موجباً لتخفيف العقوبة أوتشديدها، إذ إن العلة الباعثة على الفعل طريق للحكم عليه بأنه خير أو شر، كما يتخذون من البواعث على الإقرار أو الإنكار دلائل موجبة أو سالبة.

ومن أمثلة ذلك ما جاء في مرافعة أحد المحامين الفرنسيين في إثبات أن الدافع لإقرار المتهم يدعو إلى عدم الأخذ به، إذ قال: “تقولون إنه لا بد من الحكم لأنه أقر، وتقولون إن هذا الإقرار حر، أما رأيتم كيف وصف لكم الشهود ذلك المنظر؟ ألم يظهروا لكم التأثير الذي كان المتهم فريسته؟ ألم يظهروه يقاوم، ويبكي ويقع على الأرض، ويجذب شعر رأسه؟ ألم تروا أن العذاب النفسي الذي وقع المتهم فريسته هو الذي دفعه لأن يقر، ثم ما كاد ينهض على قدميه حتى لجأ إلى كل إنسان يحاول أن يسترد إقراره، فأسرع إلى محاميه وطلب منه بكل الظروف أن يدفع به للمحاكمة، وصار يصيح في كل فرصة وفي كل مكان: إني بريء إني بريء. افرضوا يا حضرات المحلفين أن نظام التعذيب كان لا يزال قائماً، وجاءكم وأثر الحديد في يديه، وقد أفلت من قسوة معذبيه، فهل كنتم تقولون له أنت مذنب، لأنك اعترفت، إنه يقول لكم: لقد رأيت دمي يتساقط، وسمعت عظامي تتحطم، فغلبني ألمي، وقال الطبيب إن الموت قاب قوسين أو أدنى، فغلبني الخوف، فأقررت، ولكني بريء، أكان منكم أنتم الذين تحاكموننا أو أنتم الذي تتهموننا، أكان منكم من يقول لقد أقررت وأنا أحكم عليك بإقرارك لا… ليس فيكم هذا الشخص”. يتضح مما سبق أن المحامي قد اتخذ من علة الإقرار والداعي إليه حجة على بطلانه ودليلاً على عدم الأخذ به.

الأدلة العرضية

وأما فيما يخص الأدلة العرضية فإن الشهادات والمواثيق أهمها، إذ يصفها أبو زهرة بأنها: “الركن الركين للاستدلال في الخطابة القضائية، فإن الشهادات باب واسع للتقاضي وهي طريق القرائن، والوسائل لمعرفة الأحوال، وفي بعض القضايا تكون هي نقطة الحوار وسبب الخلاف وتباعد مطارح الأنظار، هذا يعمل على تزييفها وذاك يعمل على تأييدها”.
وأما الحجة الأولى في الخطب القضائية فإنها القوانين، وهي من الأدلة العرضية، فنرى كلا المتخاصمين يحاول تفسير القانون بشكل يتفق مع غرضه ومصلحة من نصب نفسه مدافعاً عنه، ومن أبلغ الخطب القضائية التي اشتملت على الاستدلال القانوني مرافعة نائب عام فرنسي في إثبات الجريمة على رجل متهم بقتل نفسين إذ قال: “إنني أمام هاتين الجثتين، أمام هذين الجرحين الناغرين أشعر بالنفور والاشمئزاز يملآن نفسي. ويخيل إلي أني أرى حول تلك الدار الحزينة بجوار ذلك الزوج الذي يدعو زوجه، وتلك الطفلة التي تنادي أماً فلا تجيب، مدينة بأسرها في حزن شامل عام، وأرى ذلك المشهد الرهيب الذي تبعه أهل البلد جميعاً يشاركون أسرة الفقيدين في حزنها، ولكن لا، لا، إني أشيح بوجهي عن هذا المنظر المحزن ، وأخلو إلى نفسي أسائلها ورائدي مهمتـنا المشتركة المقدسة، وأوجه تبعة خطيرة، فلا أشعر بأقل شك أو تردد وأسمع صوت ضميري يقول لي: إن الرجل مذنب، مذنب أمام الله، ومذنب أمام الناس، مذنب لا عذر له، وهذه الجرائم الخطيرة تقتضي عقوبة زاجرة رادعة، فالعدالة تقتضيها والقانون ينص عليها، ومصلحة المجتمع تدعو إليها، وبقدر ما مؤمن بأني أؤدي واجبي حين أطلب منكم تطبيق تلك العقوبة الكبرى، أوقن بأنكم تؤدون واجبكم، حين تنطقون بها.

ويمكن للمترافع أن يجمع بين المواضع العرضية والذاتية إذا اقتضى المقام ذلك، وقد يقتصر على أحدهما، وعند الاقتصار على العرضية يجب أن يختار أحراها بإظهار المطلوب، ويجب عليه الابتعاد عما يستغلق على العقول إدراكه أو يصعب فهمه إلا في حال مخاطبة قوم تكفيهم الإشارة عن العبارة، والتلويح عن التصريح فلا مانع أن يخاطبهم بالتدقيق العميق.

اعلاناتاعلانات نقابة المحامين

اترك رد

من فضلك اترك ردك
من فضلك اكتب اسمك هنا