المرافعة القضائية نشأتها وأصولها

0
832
المحاماة

تكبير الخط

كتب :

المرافعة القضائية

نقلا عن /د. سلمان القضاة..جامعة اليرموك

لغة:
يبدو أن لفظة (المرافعة) لم تكن متداولة صراحة أيام وضع المعاجم التراثية الأولى. فنحن لم نعثر في أي منها على أي دليل واضح يفيد أنها قد استعملت. وما وجدناه حقيقة لا يتعدى كونه إشارات إلى مفهومها في الوقت الحاضر.
فقد جاء في اللسان: “الرفيعة: ما رفع به على الرجل، ورفع فلان على العامل رفيعة، وهو ما يرفعه من قضية ويبلغها… والرفع هذا من رفع فلان على العامل إذا أذاع خبره وحكى عنه”.
وجاء في القاموس المحيط: “رفعه: ومنه رفعته إلى السلطان رفعاناً” وفي تاج العروس يقترب المعنى للمرافعة من الفهم المعاصر لها، فيقول صاحب التاج: “ومن المجاز (رافعه إلى الحاكم) مرافعة: قدمه إليه ليحاكمه وشكاه”.
لكن المعاجم المعاصرة تورد هذه اللفظة لتدل، بشكل صريح، على معناها المتداول، ففي المعجم الوسيط نجد: “رافعه: رفعه. و_ إلى الحاكم غيره: رفع الأمر إليه وشكاه. ويقال: رافعه وخافضه: داوره كل مداورة. (ترافعاً) إلى الحاكم: تحاكماً. و_ المحامي عن المتهم القضاء: دافع عنه بالحجة”.

إصطلاحاً:
وكما أن لفظ المرافعة لم يكن مستعملاً قديماً، فإننا لا نجد لها معنى اصطلاحياً بلفظها هذا، وهذا لا يعني أن المرافعة بمفهومها المعاصر لم تكن معروفة قديماً، لكنها كانت مستعملة من العصر اليوناني باسم الخطبة القضائية.
ففي حديثه عن أنواع الخطابة، يتحدث أرسطو عن الخطبة القضائية ويعرف لنا ماهيتها بكلام يسهم في تحديد مفهوم المرافعة الاصطلاحي، إذ يقول إنها تتوجه إما إلى الاتهام وإما إلى الدفاع، ومهمة المتقاضين لا تخرج بالضرورة عن القيام بواجب من هذين.
ولكن المعجم الوسيط يقدم تحديداً أوفى لمفهومها، فقد ورد فيه أن “المرافعة: إجراءات مقررة لتصحيح الدعوى والسير فيها، وقانون المرافعات: قانون ينظم الإجراءات التي تتبع في رفع القضايا أمام المحاكم”.

المرافعة القضائية في التاريخ

أ- عند الأمم القديمة
لم يخل من الخطابة سجل أمة وعى التاريخ ماضيها، فمنذ اجتمع الناس في مكان واحد وتفاهموا بلسان واحد، عرفوها، إذ إنه من الطبيعي أن يختلفوا في رأي أو عقيدة، وأن يتنافسوا على غنيمة أو متاع أو سلطة، فنجدها محفوظة في الخط المسماري الآشوري، وفي الخط الهيروغليفي الفرعوني.
ثم جاءت الحضارة اليونانية فاجتمع للخطابة مقومات ازدهارها من حرية وطموح إلى حياة أرقى، وانتشار وازدهار للثقافة وحكم دستوري وكثرة المؤتمرات وغيرها. ويوجز الدكتور أحمد الحوفي أسباب ازدهار الخطابة عند اليونان بقوله: “لما شعت أنوار العلم والفلسفة، وازدانت أثينا وغيرها بالعلماء والفلاسفة والشعراء والفنانين، وقويت الديمقراطية في جميع المدن وتنافس الأفراد وتطاحنت الأحزاب، وكثر النزاع والتقاضي أمام المحاكم الشعبية، شاع الجدل السياسي والقضائي فاشتدت الحاجة إلى تعلم الخطابة، فاتجه الناس إلى تعلمها والتدرب عليها والتمرن على الإلقاء وتعويد اللسان على النطق الصحيح، فبدأ العلماء يستنبطون قواعد الخطابة وقوانينها، وكان السفسطائيون أول من اتجه إلى استنباط تلك القواعد في القرن الخامس قبل الميلاد، وجاء من بعدهم أرسطو فجمع قواعد الخطابة وضم شواردها في كتاب أسماه “الخطابة” صار مرجعاً للخطباء. ويصف أحمد الحوفي الأساس الذي اعتمده أرسطو للخطابة فيقول: “وأسسها على الجدل، وأقامها على الدليل، وبناها على التركيب والتحليل النفسي، وأوجب على الخطيب أن يتعرف إلى نفسية الجمهور ليخطب فيه بما يناسب ويلائم حالته”.

وهذا أدى إلى امتزاج الفلسفة بالخطابة وتمثُّل البلاغة فيها. وكباقي أنواع الخطابة، فقد اشتهرت الخطابة القضائية، إذ كانت الدعاوى والرد عليها في المحاكم ميادين قول مترامية الأطراف. ولما كانت شريعة البلاد تقتضي أن يتكلم صاحب القضية في قضيته، فلا يجوز توكيل محام كما هو الحال عندنا للدفاع عن غيره، كان أصحاب القضايا يلجأون إلى الخطباء يلتمسون منهم تأليف الخطب ليحفظوها ويتلوها في مجالس القضاء. وهذا يستدعي أن يتميز في المجتمع فئة تعين المتقاضين وتعد لهم الخطب بمقدار ما أوتيت من قدرة ومراس وتمكن من تبني قضايا الآخرين وكأنها قضاياهم فيحيلونها خطباً، وما لبث هذه الأمر أن صار مهنة ومورد رزق. وقد استمرت الخطابة في العهد اليوناني، بما في ذلك الخطابة القضائية، ما استمرت فيهم الحرية السياسية. وقد اشتهر العديد من الخطباء اليونانيين مثل لوسياس (حوالي 440-380 ق.م) الذي كان محامياً قامت شهرته بالدرجة الأولى على الخطب القضائية مما يكتبه للمتقاضين، وقد اعتبره معاصروه أشهر المحاميين وأبرعهم، إذ كان أقدر الخطباء على تقمص شخصية موكله وفهم ظروفه. وقد اعتبرت خطبته القضائية التي برأ بها قاتل (أراثوسيثنيس) نموذجاً للخطبة القضائية.
وقد اشتهر خطيب آخر في أثينا هو (ديموسثنيس). وتبعه خطباء آخرون برعوا في الخطبة القضائية، أمثال أنطفيون 480 ق.م، وأتروسيد 445 ق.م، ولزياس 440 ق.م وبرعوا في مرافعات عن أمور خاصة أو في دعاوى سياسية.

فلما سادت الحضارة الرومانية كان من الطبيعي أن يتبع الرومان أثر أساتذتهم اليونانيين في الخطابة، فكانت الخطابة عند الأمة الرومانية شبيهة بتلك عند اليونانيين. وكان في أصل النظام الروماني نفسه ما يهيئ فرصة منافسة للخطابة، ذلك أن الرومان يسمحون للمحامين أن ينوبوا عن المتقاضين ويلقوا الخطب نيابة عنهم أمام القضاة وبحضور جمع من الناس لهم الحق في شهود المحاكمة. وكان أشهر خطبائهم على الإطلاق شيشرون (106-43 ق.م). ويصفه محمد صقر خفاجة بقوله: “ومضى شيشرون يعلو في عالم المرافعات ويملع في الخطب التي يلقيها في الجمعية العمومية شديداً عنيفاً وطيباً ومحباً للخير”.

ب- عند العرب

وإذا ما تركنا الحديث عن الخطابة عند اليونان والرومان واتجهنا إلى العرب، وجدنا أن العديد من العلماء يضعون العرب في المرتبة الأولى من البيان، فقد ذكر أبو حيان التوحيدي في مقابساته، حاكياً عن أبي سليمان: “سمعته يقول: نزلت الحكمة على رؤوس الروم، وألسن العرب وقلوب الفرس وأيدي الصين”، وربما يرجع السبب في ذلك إلى ما يراه الدكتور أحمد الحوفي إذ يقول: “وقد ازدهرت الخطابة عند العرب في العصر الجاهلي لأنهم عاشوا طلقاء في جزيرتهم لا يحد من حريتهم تعسف من حاكم، أو نظام جائر، فهم أحرار في تفكيرهم، وفي البوح عنها والدعوة لها، حريتهم في التنقل في هذه البيئة”.
فلما جاء الإسلام كان من الطبيعي أن يحدث صراع بين أتباع هذه الدعوة الجديدة والمتمسكين بالقديم، فانبرى الخطباء يتصدرون للدعوة الجديدة ويحتضنونها، فيدعون إلى الدين الجديد ويكشفون مزاياه، ويزعزعون المعتقدات القديمة في النفوس وينفرون منها سلاحهم في ذلك كله الكلمة ممثلة بالخطبة، فكان من نتاج ذلك أن بلغت الخطابة أوج ازدهارها. ومع مجيء العصر الأموي وقيام الثورات والفتن بدأ الكهول والفتيان يتبارون في الخطابة ويتسابقون في ميدانها، إلا أن العرب لم تكن لهم خطابة قضائية، إذ كانوا يعتمدون في تقاضيهم على البينة واليمين، فلم يكن هناك مجال يتبارى فيه الخطباء، ولم يكن عندهم محلفون يسعى الخطيب إلى استمالتهم وإقناعهم، على الرغم من أننا نجد في كتب الفقه ما يجيز الوكالة في مطالبة الحقوق، فقد ورد في المغني والشرح الكبير: “ويجوز التوكيل في مطالبة الحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها، حاضراً كان الموكل أو غائباً، صحيحاً أو مريضاً، وبه قال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة للخصم أن يمتنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضراً لأن حضوره مجلس الحكم ومخاصمته حق لخصمه عليه، فلم يكن نقله إلى غيره بغير رضاء خصمه كالدين عليه… وإن علياً رضي الله عنه وكل عقيلاً عند أبي بكر رضي الله عنه، وقال: ما قضى له فلي وما قضى عليه فعلي، ووكل عبدالله بن جعفر عند عثمان وقال: إن للخصومة قحماً، وإن الشيطان ليحضرها وإني لأكره أن أحضرها”.

أدلة على وجود الخطبة القضائية 

ونحن نجد بعض الأدلة التي تشير إلى وجود هذا النوع من الخطابة، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي اتفقت الكتب الستة على روايته قوله: “إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن كنت قطعت له من حق أخيه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار”. ففي هذا الحديث ما يدل دلالة واضحة على وجود الخطبة القضائية في العصر الإسلامي الأول، بل ربما كانت فصاحة الخطيب وبيانه ذات الأثر الأكبر في صدور الأحكام.

كما يخبرنا الحديث الشريف، وفي القرآن الكريم العديد من المواقف التي لا يسعنا إلا أن نعدها من قبيل المرافعات القضائية، ففي قصة مريم، يشير قومها إليها بأصابع اتهام، إذ جاءتهم بصبي دون أن يمسها رجل، فيأتي الأمر الرباني إلى ولدها عيسى عليه السلام ليدافع عنها ويبرئها من التهمة الموجهة إليها، يقول تعالى: “فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً، يا أخت هارون، ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً، فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً، قال إني عبدالله أتاني الكتاب وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً، والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً”.

وفي سورة الأنبياء يذكر الله تبارك وتعالى قصة إبراهيم مع قومه عندما اتهموه بتحطيم أصنامهم، فيقف عليه السلام يقارعهم الحجة مدافعاً عن نفسه ومسفهاً رأيهم وموبخاً إياهم على عبادتهم أصناماً من دون الله لا تضر ولا تنفع. يقول تعالى: “قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، قالوا فأتوا بِهِ على أعين الناس لعلّهم يشْهدون، قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بلْ فَعَلَهُ كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إِنكم أنتم الظّالمون، ثم نُكسُوا على رؤوسهم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطقون. قال أفتعبدونَ من دونِ الله ما لا ينفُعكم شيئاً ولا يُضرُّكُم. أُفٍّ لكم ولما تعبدون من دونِ اللهِ أفلا تعقِلون”. ويحوي القرآن الكريم العديد من هذه المواقف التي يمكن عدها مرافعات قضائية.

إضافة إلى هذه النماذج من القرآن الكريم، تورد بعض كتب الأدب نماذج تعطي صوراً لبعض المخاصمات القضائية التي يتخللها مواقف تعد من قبيل الخطب القضائية. من أشهر تلك المخاصمات ما حصل بين أبي الأسود الدؤلي وامرأته التي طلقها وأراد أن ينتزع ابناً له منها فأبت واحتكما إلى زياد أو إلى معاوية في رواية أخرى؛ فقالت المرأة مدافعة عن حقها في حضانة الولد: “أصلح الله الأمير، هذا بني كان بطني وعاءه، وحجري فناءه وثديي سقاءه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام حتى إذا استوفى فصاله وكملت خصاله وأملت نفعه ورجوت دفعه، أراد أن يأخذه مني كرهاً فآدني أيها الأمير، فقد رام قهري وأراد قسري”.

فقال أبو الأسود: “أصلحك الله، هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه وأنظر في أوده، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي، حتى يكمل عقله ويستحكم فتله. فقالت المرأة: صدق، أصلحك الله، حمله خفاً وحملته ثقلاً، ووضعه شهوةً ووضعته كرهاً”. فقال زياد: “أردد على المرأة ولدها فهي أحق به منك ودعني من سجعك”.
ونعثر على نص آخر لأبي عبدالله بن الفخار مدافعاً عن القاضي التوحيدي قاضي مالقة أمام الأمير إذ يقول: “إنه لمقام كريم نبدأ فيه بحمد الله على الدنو منه، ونصلي على خير أنبيائه محمد الهادي إلى الصراط المستقيم وعلى آله وصحابته نجوم الليل البهيم، أما بعد: فإنا نحمد الله الذي اصطفاك للمؤمنين أميراً، وجعلك للدين الحقيقي نصيراً وظهيراً، ونفزع إليكم مما دهمنا في حماك، ونبث إليك ما لحقنا من الضمي ونحن تحت ظل علاك، ويأبى الله أن يدهم من احتمى بأمر المسلمين ويصاب بضيم من أدرع بحصنه الحصين، شكوى قمت بها بين يديك من حق أمرك الذي عضده مؤيده لتسمع منها ما تختبره برأيك وتنفذه. وإن قاضيك ابن التوحيدي الذي أقمته في مالقة للأحكام ورضيت به في عدله فيمن بها من الخاصة والعوام ولم يزل على حسن اختيارك”.
ومما سبق يتبين لنا أن العرب لم يعرفوا المرافعة القضائية بصورتها إلا منذ عصر النهضة، وأن ما حصلنا عليه ما هو إلا إشارات أو إرهاصات لهذا النوع من الخطبة وليس دليلاً على وجودها بشكل أصيل.

اعلاناتاعلانات نقابة المحامين

اترك رد

من فضلك اترك ردك
من فضلك اكتب اسمك هنا