“الهلالى” ..قديس اليسار محامى المظلومين

0
442
نبيل الهلالى

تكبير الخط

كتب :

Kdees

كتبت- مروة عفيفى

يهفو الحق إليه، فهو المدافع عنه دائما، فهو من كان يجوب مصر بحثأ عن مظلوم ينصفه، عرف بمواقفة التى لا تقبل اللون الرمادى الذى يجيده البعض لم يحاول أن يغازل حاكما او نظاما بل كان لا يعرف سوى سيف العدالة البطار، مستهدفا نصرة المظلومين والضعفاء.

لعلكم تتسألون عن من أتحدث؟

أتحدث عن “قديس اليسار المصرى” المحامى القدير الراحل أحمد نجيب الهلالى،الذى أفنى عمره يترافع فى قضايا الفقراء ويدافع عن الحريات ويبحث عن حقوق العمال .

الميلاد والنشأة

ولد نبيل الهلالي في 7 أغسطس 1928، بمدينة القاهرة بمنزل والده نجيب باشا الهلالي بمصر الجديدة، أبنًا وحيدًا له، الأب محام شهير وقانوني مشرع بارز وأحد الزعامات الحزبية قبل يوليو 1952 والدي تولى رئاسة وزارة مصر مرتين ووزيرًا عدة مرات) وحين تولى نجيب الهلالي وزارة المعارف أصر على أن يقل ابنه من المدارس الأجنبية إلى المدارس الحكومية المصرية، ليتعلم بها حتى التحق عام 1944 كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول (القاهرة)، وفي الجامعة تعرف لأول مرة على الفكر الاشتراكي حيث كانت تموج الجامعة بتيارات سياسية متعددة منها التيار الشيوعي. فانضم في أول الأمر إلى تنظيم (الأسكرا) أو الشرارة. قبيل اندماج مع الحركة المصرية للتحرر الوطني وتأسيس الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني(حدتو).

 وعندما بدأ الانقسام في تنظيم (حدتو) انتمى نبيل إلى (المنظمة الشيوعية المصرية) (م، ش، م) كمسئول للجنة الرقابة وكان ذلك عام 1948 ثم انضم أخيرًا لمنظمة الحزب الشيوعي (الراية)، عام 1956.

الاختيار بين المبادىء والثروة

تنازلت عن ميراثي احترامًا لوصية والدي نجيب باشا الهلالي

ورغم إيمان نبيل الهلالي تمامًا بالعمل الشيوعي المنظم إلا أنه استطاع إخفاء هذا النشاط عن والده لأنه شديد العداء للشيوعية وبما عُرف عنه من ميول التصوف بعد ذلك إلا أن هذا الكتمان لم يستمر طويلاً حيث أفصح الصحفي مصطفى أمين لوالده بالأمر، وهنا كان عليه أن يختار بين حياة الأسرة الآمنة وبين عمله السياسي واختار نبيل مضطرًا أن يترك منزل والده حيث تبدأ القطيعة النهائية بينه وبين والده.

قبلها كان نبيل قد ترك مكتب والده كمحامِ في واقعة كان يحكيها بقوله “والدي وكيلاً للعديد من الشركات الأجنبية وكان أحد العمال قد أقام دعوة قضائية ضد شركته يطالب فيها بحقوقه فكان عليّ أن أذهب للمحكمة للوقوف ضده، فرفضت ذلك تمامًا مما دفعني لترك مكتب الموالد نهائيًا وترك المنزل كذلك بعد افتضاح نشاطي الشيوعي.
والمدهش أن الأب إمعانًا في عقاب الابن المتمرد على الأسرة والطبقة قام بتحرير وصية لصالح الأم حتى يحرم نبيل من الميراث في حدود الشرع، ولكن شاءت الأقدار أن تتوفى الأم أولاً، فأصر الوالد مرة ثانية وأعاد تحرير الرصيد لصالح ابنة الأخت الوحيدة، ولكن قبل أن يسجل وصيته توفى نجيب باشا الهلالي في 15 ديسمبر 1958، ورغم ذلك فقد اعتبر نبيل رغبة الأب وصبة واجبة النفاذ ولاقتناعه بأن العمل هو المصدر الوحيد لكسب المال.

وقد أثيرت إشاعات كثير عن ثروة نجيب الهلالي وأشيع أن نبيل الهلالي قد تبرع بميراثه للحركة الشيوعية والحقيقة عن ذلك يذكرها نبيل ببساطة شديدة بقوله: (في الحقيقة أنه لم يكن هناك ميراث من الأساس فوالدي تصرف في أطيانه الزراعية بأسيوط أثناء حياته ولم يترك بعد وفاته غير قصر الأسرة بالمعادي ومنزل الإسكندرية وكان مرهونًا، فقد كان والدي للحقيقة رغم عدائه للشيوعية شديد العداء، للمَلكية والمِلكية.

زواج المناضل بالمناضلة 

حفرت اسم زوجتي واسمي متجاورين على زلطة في ليمان أبو زعبل

 تعرف “الهلالى” في منظمة الشيوعية المصرية على مسئولة في التنظيم “فاطمة ذكي”، والتي كانت عندئذً طالبة في كلية علوم القاهرة وإحدى المناضلات البارزات في الحركة الطلابية في الأربعينات وهي تنتمي لأسرة متوسطة الحال فوالدها كان مفتشًا بوزارة الزراعة اختير لعدد يفوق العشرة من الأخوة والأخوات قامت الأم التي كانت تتميز بسعة الأفق والعلاقات. الاجتماعية الطيبة، باستكمال تربية الأبناء جميعًا بالتعليم العالي، بل واشتهر عن الأسرة أنها كانت تقوم بتعليم كل من يلتحق بالخدمة لديها حتى أعلى مراحل التعليم، لذلك فقد رحبت الأم حين أتاها نبيل خاطبًا ابنتها، رغم علمها بقطيعته مع أسرته، وعدم موافقة والده على الزواج والذي تم بالفعل في29 يوليو1958 ولكن بعد أقل من ستة اشهر لم يهنئ العروسان بالزفاف.

فقد بدأت حملة اعتقالات واسعة للشيوعيين ويعتقل نبيل في أول يناير 1959 ويودع ليمان أبي زعبل، وفي مارس 1959، يتم اعتقال فاطمة وتودع سجن النساء بالقناطر، وتروي (فاطمة زكي) واقعة طريفة عن ظروف الاعتقال والاتصال بنبيل فتقول (كنت موجودة أثناء لاعتقال بعمبر المعتقلات بقصر العيني، حيث أرسل لي نبيل أحلى رسالة حب عندما قام بحفر أسمي واسمه على (زلطة) تربطها سهام الحب، وألقاها أحد الحراس بجواري، فقد كنا نتحايل للاتصال بأي طريقة، ومازلت أحتفظ برسالته الغالية داخل إطار من ذهب).

وكان نبيل في المعتقل حيث حكم عليه بالسحن 7 سنوات أشغال شاقة مثالاً للتواضع والصبر فقد تعامل مع الأمر ببساطة شديدة وكأنه واجب وضريبة لابد أن تؤدى وعلى لسان عبد العال البسطاويسي أحد أبناء الطبقة العاملة والذي كان معتقلاً معه يقول (كان الأستاذ يصر على القيام بكل شيء بنفسه ويرفض مساعدة من أي إنسان فقد كنا نحن العمال نعتبر أن (الأساتذة والمثقفين ) غير متعودين على الحياة الشاقة داخل السجون فكنا نحاول مساعدتهم في شئون حياتهم لأننا (متعودين على كده) ولكنه كان يرفض بحسم أي مساعدة، بل أنني ظللت أرفض القيام بدوري في تنظيف دورة المياه، حتى وجدته يقوم بتلك المهمة دون تذمر مثله مثل الباقين ويؤكد العامل لقد خرج المعتقلون من المعتقل وهم متفقون على شيء واحد هو (أحمد نبيل الهلالي).

وبعد خروجه بعام واحد اعتقل مرة أخرى عام 1965، ورفض التوقيع على حل التنظيم شرطاً للإفراج عنه واستمر الاعتقال أربع سنوات.

الهلالى محامى الطبقة الكادحة

لم يقتصر دور”الهلالى “كمحامى يدافع عن اليسارين فقط بل كان يدافع عن المظلومين أيا ما كان توجهم السياسى، ويروى لنا “الهلالي” أنه عندما حدثت  انتفاضة الحرية عام 1972، عندما تشكلت اللجنة العليا للطلاب أنه بعد فض الاعتصام الذي دام أربعًا وعشرين ساعة في ميدان التحرير بالقوة، تم القبض على عشرات القيادات العمالية والصحفية والطلابية وكان هو من ضمنهم وحيث أودع كل منهم في زنزانة حبس منفردة والطريف أن أحد قيادات الطلبة بدأ عبر باب الزنزانة توعية باقي المحبوسين بالموقف الواجب في التحقيق وتمسكهم بحضور محامِ معهم وإبلاغ المحامي أن محاميهم هو نبيل الهلالي، وكم كانت دهشتهم حين جاء الدور عليهم ليعرف نفسه، فإذا بالطلاب المحبوسين يجدون محاميهم معهم في ذات السجن.

وهتف شاعر الشعب أحمد فؤاد نحم بقصيدته الشهيرة: (والهلالي لما قام.. قلعوه توب المحامي). ولم تكن هذه المرة الوحيدة التي كان فيها الهلالي فيها محاميًا ومتهمًا في ذات الوقت ففي القضية المشهرة بقضية الحزب الشيوعي المصري رقم 52 لسنة 1980، وقف الهلالي في القفص هذه المرة متهمًا ومحاميًا عن نفسه وعن رفاقه في ذات الوقت حيث وجهت لهم النيابة تهمة التخابر والعمالة لدولة أجنبية ولكن بعد دفاعة ومرافعته المشهورة جاء الحكم للجميع بالبراءة

اعتبر مكتبه مقصداً لكل العمال والمقهورين بالإضافة إلى شهرته الذائعة فى الدفاع عن الخصوم السياسيين للسلطة المصرية وخاصة دفاعه عن أعضاء الجماعات الإسلامية وتيار الإسلام السياسي عموماً، أشهرها مرافعته عن المتهمين فى قضية اغتيال رئيس مجلس الشعب الأسبق رفعت المحجوب ومرافعته فى قضية عمرو عبد الرحمن بالإضافة إلى مرافعاته فى القضايا العامة مثل قضية أحداث يناير 1977 وقضية إضراب السكة الحديد عام 1986 وقضية حريق قطار الصعيد، ومرافعته فى قضية المستشاريين هشام البسطاويسي وأحمد مكي وغيرها من القضايا العامة.

والقضية الأشهر التى ترافع فيها “الهلالى” كانت دفاعه عن المتهمين الإسلامين فى قضية مقتل الدكتور رفعت المحجوب الذي اغتيل في 12 أكتوبر 1991،ورغم أنهم يمينين الفكر وهو يسارى الفكر إلا أنه دافع عنهم لثقته ببراءتهم وهو ما اثار دهشتهم أنذاك، وبعد مرافعة طويلة صدر الحك ببراءة المتهمين.

 جدير بالذكر أن “الهلالى” انتخب عضوا في مجلس نقابة المحامين في الدورات المتتالية منذ 1968 حتى 1992،وأسس مع آخرين في عام 1987 حزب الشعب الاشتراكي – بعد الانفصال والخروج من الحزب الشيوعي المصري·

مؤلفاته

  •  “حرية الفكر والعقيدة·· تلك هي القضية” وهو عبارة عن مرافعة قانونية وسياسية في قضية الحزب الشيوعي المصري عام 1981
  •  “اليسار الشيوعي المفترى عليه··· ولعبة خلط الأوراق” وهو عبارة عن ردود على الأكاذيب التي استخدمتها الرجعية المصرية في حربها ضد الشيوعيين المصريين·

وفاته

وفي 18 يونيو 2006 توفى الأستاذ أحمد نبيل الهلالى عن 84 عاما قضاها فى النضال من أجل الحقوق مهما أختلفت افكاره مع المظلومين، وعن وفاته التى صدمت الكثير، كتب الأديب أحمد الخميسي«كنت أستند، بلا وعى، إلى أن نبيل الهلالي موجود أينما كنت أذهب أو أفعل، مهما كتبت أو مشيت في مظاهرة في سفرى وفى عودتى عند أبواب المطارات وفى مواجهة ضباط الداخلية وأنه إذا ما حدث شيء لى فإنه سيبرز من الظلمة للدفاع عنى..كنت مطمئنا إلى أن في الحياة دفاعا وفارسا سيظهر في اللحظة المناسبة بقامته الطويلة ويأخذ في تفنيد التهمة الملفقة، ثم يرفع عينيه المهذبتين اللامعتين إلى القضاة صائحا بصوته النحيف: أفرجوا عن هذا الإنسان.

رحم الله قديس اليسار محامى الفقراء أحمد نبيل الهلالى

مرافعة احمد نجيب الهلالى جوزيه

اترك رد

من فضلك اترك ردك
من فضلك اكتب اسمك هنا