مكرم عبيد.. قبطى الديانة مسلم الجنسية

0
7772
مكرم عبيد (3)

تكبير الخط

كتب :

مكرم عبيد

كتبت- مروة عفيفى

كثير من الناس لا يعرفون من هو مكرم عبيد او لا يعلمون عنه سوى أنه إسم أطلق على أشهر الشوارع فى حى مدينة نصر ، لكن من يطلع على تاريخ مصر، يعرف مدى أهمية الدور الذى لعبه السياسى والمحامى البارع نقيب المحامين الاسبق مكرم عبيد.

مكرم عبيد الميلاد والنشاة

ولد وليم مكرم عبيد – كما عرف بين أصدقائه فى قنا قبل ثورة 1919-  فى الخامس و العشرين من شهر أكتوبر عام 1889 بمحافظة قنا، لعائلة من أشهر العائلات القبطية وأغناها فى صعيد مصر ، تربى على حب الغير وعدم التعصب وقد تخلى عن إسمه “وليم” وقام بشطبه بسبب موقفه المعادى للإحتلال البريطانى، التحق بالمدرسة الأمريكية في أسيوط ودرس القانون في أكسفورد، وحصل على درجة امتياز في القانون عام 1908، واستكمل دراسته القانونية في ليون بفرنسا وحصل على ما يعادل الدكتوراه في عام 1912.

 بداية مشواره الوطنى

شغل مكرم عبيد منصب سكرتير جريدة الوقائع المصرية بوزارة الحقانية في عام 1912، كما اختير سكرتيرًا خاصًا للمستشار القانونى الإنجليزى خلال مدة الحرب العالمية الأولى، ولكنه لم يبق كثيرًا في هذا المنصب، حيث استغنى عنه بسبب كتابته مذكرة معارضة للمستشار الإنجليزى شارحًا فيها صعوبة التوفيق بين منصبه الحكومى وشعوره الوطنى، وأبهرت تلك المذكرة المستشار البريطانى، وتضمنت مطالب الأمة المصرية وحقوقها ضد الاحتلال، ثم عُين بعد ذلك أستاذًا بمدرسة الحقوق لعامين كاملين وفى عام 1919 انضم إلى حزب الوفد وعمل في مجال الترجمة والدعاية في الخارج ضد الاحتلال الإنجليزى حتى إن الجريدة الناطقة بلسان حزب الوفد أطلقت عليه لقب “الخطيب المفوه”.

 مكرم عبيد.. إبن سعد

كانت علاقة “عبيد” بزعيم الأمة سعد زغلول علاقة فريدة من نوعها كان لها ابرز التاثير فى شخصيته ومن أهم مراحل حياته، حيث أصبح الناطق بلسانه إلى حد أنه عرف بــ“ابن سعد” خاصة بعدما نفى سعد زغلول إلى جزيرة سيشل، حيث ثار مكرم عبيد وقام بإلقاء الخطب والمقالات، مما تسبب في القبض عليه ونفيه هو الآخر، حتى أنه قال في إحدى خطبه: “ليس في الأمة من يمكنه أن يقول أنا الأمة إلا سعد، ومهما يكن من الأمر فسعد هو سعد فاوض أو لم يفاوض”، كذلك في ذكرى وفاة سعد زغلول قال: “إنه لم يتخذ أي منا من ذكراه عبرة فيجاهد في سبيل وطنه كان هو الحي الميت وحق لى أن أقول: أيها الميت الحى، أنت سعد! أيها الحى الميت.. أنت عبد!”

مكرم عبيد أول من وضع فكرة الحد الأدنى لأجور العمال في مصر

بعد وفاة سعد زغلول أصبح مكرم عبيد سكرتيرًا لحزب الوفد، بينما أصبح مصطفى النحاس رئيساً للحزب،فى هذة الأثناء تولى مكرم عبيد منصب نقيب المحامين خلفا للراحل محمود بسيونى فتولى منصبه من ديسمبر عام 1933 وظل حتى 1936، وفى هذا العام أختاره مصطفى النحاس وزيرا للمواصلات فى وزارته التى شكلها ثم حصل على البشاوية بعد معاهدة 1936، كما أنه شارك في الوزارات الثلاث التي تشكلت برئاسة كل من أحمد ماهر والنقراشى حتى عام 1946.

كان لعبيد العديد من الآثار الإيجابية أثناء توليه وزارة المالية، حيث يعتبر هو صاحب فكرة النقابات العمالية وتكوينها كذلك فإنه أول من وضع فكرة “الحد الأدنى لأجور العمال في مصر”، وتوازن الأجور مع الأسعار، كما أنه عمل على توفير العلاج الطبى والتأمين الاجتماعى للعمال، وترتب على ذلك إنصاف العمال والموظفين والطبقات الكادحة، وبالإضافة إلى ذلك فإنها يعتبر واضع نظام التسليف العقارى الوطنى وفكرة الأخذ بنظام الضريبة التصاعدية للدخل، كما كان يقرن معنى الوطنية بتمصير ملكية الأراضي الزراعية ونزعها من الأجانب.

الخلاف بين مكرم عبيد ومصطفى النحاس

لم تمض حياة مكرم عبيد على وتيرة التفاهم والتصالح، حيث وقع في عام 1942 أكبر خلاف له مع رئيس الوفد مصطفى باشا النحاس، وهو الخلاف الذي كان سببه الرئيسي “زينب هانم”، زوجة النحاس، والتي أرادت إزاحة مكرم حتى يمكن تجهيز فؤاد باشا سراج الدين لخلافة النحاس، على الرغم من أن الفضل يعود إلى مكرم عبيد في ضم سراج الدين لحزب “الوفد” هو الخلاف الذي أدى إلى انشقاق عبيد عن الوفد وتشكيله “الكتلة الوفدية” التي أصدر لها جريدة خاصة، حيث شاركت فى الوزارات التي تشكلت برئاسة أحمد ماهر والنقراشى عام 1946.

مكرم عبيد فارس الوحدة الوطنية

إذا أردنا ان نختار لقب لـ مكرم عبيد فهو  “فارس الوحدة الوطنية” لمواقفه التى كا يغلب فيها المصلحة الوطنية على المصلحة الشخصية وله عدة مقولات تعبر عن هذا منها : ” “اللهم يا رب المسلمين والنصارى اجعلنا نحن المسلمين لك وللوطن أنصاراً، واجعلنا نحن نصارى لك، وللوطن مسلمين”.

مكرم عبيد وحرية الرأى

كان مكرم عبيد ذو شخصي تكره القيود أيا ما كانت ولهذا اقترح عدة مبادئ أساسية يقوم عليها حكم البلاد من بينها إلغاء كل القيود على الحريات الأولية، كحرية الرأى والصحافة والاجتماع وذكر القيد الوارد على الحريات في دستور 1930 رافضًا عبارة “إلا إذا كان ذلك ضروريًا لوقاية النظام الاجتماعى”، والتي وصفها بالعبارة المطاطة التي تفسح لأى حاكم مستبد المجال للعبث بالحريات المقدسة، وكذلك أوجب إلغاء القيد على حرية الصحافة بنفس الدستور في عبارة “في حدود القانون” والتي وردت بالمادة 15، حيث قال إن القانون قد لا يكون في حدود الدستور وأيضًا فإنها تحدث عن وجوب إلغاء الحبس الاحتياطي في جرائم الرأى، وحظر إقالة الوزارة إلا إذا سحب البرلمان الثقة منها، وحظر إعلان الأحكام العرفية، فلا يجوز إعلانها إلا إذا اشتبكت البلاد في حرب فعلية داخل حدودها.

ويذكر أنه أثناء الحرب العالمية الثانية أصدر مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء، أمرًا عسكريًا باعتقال مكرم عبيد باشا، وبالفعل تم اعتقاله بمقتضى الأحكام العرفية وأودع السجن.

 مكرم عبيد يكتب الكتاب الأسود

كتب مكرم عبيد الكتاب الأسود بعد فصله من حزب الوفد ليذكر فيه وقائع الفساد الذي كان يسيطر على الوزاره الوفديه،مستعرضا الاختلاسات التي كانت في الوزاره الوفديه وانتشار الرشوه والمحسوبيه فسمى عصر وزارة الوفد بالعصر الأسود.

وقد وجه الكتاب الأسود الاتهام إلى النحاس باشا بثلاثين واقعة منها بيع منزل كان استأجره بالإسكندرية بمبلغ ٥٠٠ جنيه وشراؤه ٨٠ فدانًا من فؤاد سراج الدين وزير داخليته باسم حرمه بثمن أقل من الثمن الحقيقى.. هذا إلى جانب شراء النحاس سيارة موديل كوتسيكا بمبلغ ١٥٠٠ جنيه، في حين أنها كانت معروضة بـ٣٠٠٠ جنيه، ونشر الموضوع بأكمله في جريدة الأهرام يوم ٢٤ مايو ١٩٤٣.

و يذكر المؤرخ د. يونان لبيب رزق، في كتابه “الوفد والكتاب الأسود” كيف استشرى الفساد والمحسوبية وتفشى الوساطة والرشوة والتلاعب في تعيين العمد والمشايخ، وتعطيل الأحكام القضائية والتهريب والتدخل في صفقات التموين في السوق السوداء إلى جانب وقائع استغلال شخصي لرئيس الوفد، منها قيام السفارة المصرية بلندن بشراء معطف فراء لقرينة رئيس حزب الوفد، وكذلك قبعات للرأس وفصل مئات الموظفين صنفهم الوفد أنصارًا لخصومه مع تعيين آخرين موالين لهم من رجال الوفد.

  • جدير بالذكر أحترقت نسخة من الكتاب كانت موجودة في أحد قاعة مجلس الشعب والشوري عندما حرق في عام2008

علاقة مكرم عبيد بجماعة الإخوان المسلمين

استطاع مكرم عبيد باشا أن يكون علاقة خاصة الشكل مع جماعة الإخوان المسلمين، حيث كان الرجل الوحيد الذي شارك في جنازة مؤسس الإخوان الشيخ حسن البنا، حيث منع “البوليس السياسي” في هذا الوقت أن يقترب أي رجل من منزل البنا وإلا تعرض للاعتقال باستثناء مكرم عبيد نظرًا لمنصبه الحكومي.

بعد ثلاث سنوات من رحيل البنا طلبت مجلة الدعوة -التي أسسها بعض أعضاء جماعة الإخوان- من عبيد أن يكتب مقالًا بسيطًا عنه وهي المقالة التي كتب فيها عبيد “فإذا كنتم أيها الإخوان المسلمون، قد فقدتم الحاكم الأكبر، الخالد الذكر، فحسبكم أن تذكروا أن هذا الرجل الذي أسلم وجهه لله حنيفًا، قد أسلم روحه للوطن عفيفًا، حسبكم أن تذكروه حيًّا في مجده، كلما ذكرتموه ميتًا في لحده… ما من شك أن فضيلة الشيخ حسن البنا هو حى لدينا جميعًا في ذكراه، بل كيف لا يحيا ويخلد في حياته رجل استوحى في الدين هدى ربه، ففى ذكره حياة له ولكم، ومن ذا الذي يقول بهذا هو مكرم عبيد صديقه المسيحى الذي عرف في أخيه المسلم الكريم الصدق والصداقة معًا، ولئن ذكرت فكيف لا أذكر كم تزاورنا وتآزرنا إبان حياته، ولئن شهدت فكيف لا أشهد بفضله بعد مماته، وما هي إلا شهادة صدق أُشْهد عليها ربى؛ إذ ينطق بها لسانى من وحى قلبى”.

ويضيف: “أي نعم، فأنتم إخوانى أيها الإخوان المسلمون أنتم إخوانى وطنًا وجنسًا، بل إخوانى نفسًا وحسًا، بل أنتم لى إخوان ما أقربكم إخوانًا؛ لأنكم في الوطنية إخوانى إيمانًا، ولما كانت الوطنية من الإيمان فنحن إذن إخوان في الله الواحد المنان”.

النهاية: وفى 5 يونيو 1961 رحل الزعيم مكرم عبيد فارس الوحدة الوطنية الذي تتجسد حاجتنا إليه الآن، وقد شارك أنور السادات نيابة عن الرئيس جمال عبدالناصر في تأبينه بالكنيسة المرقسية بالأزبكية، مشيدًا بالنضال الوطنى لمكرم عبيد من أجل الاستقلال.

 

.

 

اترك رد

من فضلك اترك ردك
من فضلك اكتب اسمك هنا